« وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ » .
[ الزمر ( 39 ) / 70 ]
« ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ »
راجعان إلى موقف الحساب والفضل والعدّل .
والآية الأخيرة ناظرة - كما ذكرنا - إلى تهديد الغالين وأنّ الغالّ يأتي اللّه بما غلّ ثمّ توفّى كلّ نفس ما كسبت ويوفّى هذا الغالّ غلّه وسائر ما كسب من سيّئاته .
قوله تعالى :
« لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ » .
ذكر المفسّرون في ارتباط هذه الآية بما قبلها من الآيات وجوها لا فائدة في ذكرها ، وغاية ما يمكن أن يقال في ارتباطها بما قبلها هو أنّ الآيات السابقة مسوقة لتنزيه مقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأنّه المتّبع رضوان اللّه تعالى ، وهذه الآية وصفته بأنّه منّة من اللّه على المؤمنين ونعمة منه تعالى إليهم . وبديهي أنّ هذه المنّة والنعمة ليست مختصّة بالمؤمنين فقط بل هو رحمة للعالمين وامتنان للناس أجمعين . وقد ذكرنا غير مرّة أنّ إثبات شيء لشيء لا ينافي ثبوته لغيره ، ولا يستلزم نفي ما سواه . ولعلّ تخصيص المؤمنين بالذّكر لظهور أثر الامتنان وبروزه على النحو التامّ فيهم فليحمدوا اللّه تعالى وليشكروه سبحانه كثيرا .
كلام في حكمة بعث الرسل
الإتيان بلفظ المنّة في هذه الآية
« لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا »
فيه إعلان وتذكير بأنّ هذا البعث وإرسال هذا الرسول الكريم فضل من اللّه سبحانه من دون وجوب عليه تعالى .
وتقرير هذا البحث على نحو يفي بجميع جهاته ويستوفي جميع جوانبه يحتاج إلى بسط كلام .
هل على اللّه سبحانه يجب بعث الرسل وتشريع الشرائع أم لا ؟
قال قوم : إنّ إلقاء الوحي والعلم وكذا البعث والإرسال من جملة الحوادث الواقعة في هذا العالم فلا بدّ أن يعلّل بعلله وأسبابه حتّى ينتهي إلى أوّل علله