تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
منه أو مثله ، وأمّا العقوبات والمصائب فأخذ من اللّه تعالى بذنوبهم وسلب النعماء منهم ، فليس هنا من السببيّة والمسببيّة من شيء ، وما قرّر سبحانه بين المعاصي والمصائب سببيّة وعلّيّة وإنّما هذا شيء اصطلحه بعض الناس . نعم إنّ اللّه تعالى يحكم بعدله في العاصين بسلب مواهبه وآلائه عنهم ، فقد جرت سنّته تعالى أن لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم . فالآية الكريمة تتعرض إلى أنّ الذّنب الثاني وهو الفرار إنّما نشأ من الذّنب الأوّل بسقوط المذنب وبعده عن عناية اللّه تعالى . فالحقّ أنّ خذلانهم وحرمانهم عن فضيلة الفتح والنصر ، وكرامة الصبر والثبات ، مؤاخذه بما كسبوا من الذنب . وهذا ينطبق على الرماة حيث أخلوا محلّهم في القتال وعصوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم طمعا في الغنيمة . قوله تعالى :
« وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ » .
لا يخفى عند أولي الأبصار أنّ متعلّق هذا العفو هم الّذين ارتكبوا ذنب الفرار مؤاخذة على ذنبهم الأوّل . ودعوى إطلاق التولّي لغير هذا مجازفة واضحة ، فإنّ المتولّين إدبارا ، منهم من كان من الضعفاء ، ومنهم المنافقون ، ومنهم من كتب عليه الفرار لغرض الابتلاء والاختبار من غير سبق سوء منهم فأنزل اللّه عليهم النعاس حتّى تابوا وعادوا ، بخلاف الّذين ولّوا وفرّوا مؤاخذة لذنوبهم ، فلا مانع من القول بالإطلاق بالنسبة إلى هؤلاء . فالإطلاق في موضوع هذه القضيّة أجنبيّ عن الإطلاق لعموم المصعدين . وهذا هو الفرق بين العفو في هذه الآية والعفو الّذي مضى في قوله تعالى :
« ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ » .
وهذا توبيخ خاصّ للرّماة مع إعلان العفو عنهم ولا تشمل هذه الآية المبحوث فيها الطائفتين المتقدّمتين اللّتين غشي إحداهما النعاس ، والطائفة الّتي أهمّتهم أنفسهم . في تفسير العيّاشي 1 / 201 ، عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم عن أحدهما في قوله :
« إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا » .
فهو عقبة بن عثمان وعثمان بن سعد .