الذنب بالرحمة ؛ وهو عين إذهابه وإهلاكه بخلاف الستر فإنّه ليس فيه العناية المأخوذة في الغفران . فعلى هذا يكون الغفران أبلغ من العفو ، وهذا هو سرّ تقديم العفو على الغفران في الآيات إذ يكون على هذا الترقي من الأسفل إلى الأعلى . قال تعالى :
« فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً »
[ النساء ( 4 ) / 43 ] .
و
« ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ »
[ الحجّ ( 22 ) / 60 ] .
والحليم هو الّذي لا يعجل بالأخذ والانتقام ، ولا يحرّكه الطيش والغضب ؛ وهذا المعنى وإن كان لا يلازم إزالة أصل الذّنب بل الأغلب بحسب موارد استعماله هو الإمهال والأناة عن أخذ الظالمين إلّا أنّه ليس منحصرا في هذه الموارد بحسب المعنى اللّغويّ ، فإنّه قد يستعمل في الموارد الّتي لا ينتقم بالذنب أصلا ، ولا يؤاخذ المذنب ولا يطالبه بذنبه لا سيّما إذا اجتمع مع الأسماء الدالّة على الفضل والرأفة والحنان ، فإرداف غفور بقوله :
« حَلِيمٌ »
لا يخلو من الإشارة إلى أن الحلم في هذا المقام لتمجيده تعالى بالصفح والغضّ ، وعدم مطالبة العبد كونه مشمولا بغفرانه .
فإنّ اللّه سبحانه ذو الصفح الجميل .
فظهر من جميع ما ذكرناه أنّ قوله تعالى :
« وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ »
مستند إلى هذين الاسمين الكريمين : الغفور الحليم . ولم يعلم بعد أنّ حقيقة العفو منه تعالى أعلى وأبلغ من حقيقة المغفرة بل الأمر بالعكس كما ذكرناه .
توضيح في عفوه وغفرانه تعالى
مخالفة أمره تعالى ونهيه سواء كان في الأحكام التشريعيّة المولويّة أو في الأحكام العقليّة الضروريّة تعدّ عصيانا وذنبا ، والمعصية حرام بالضّرورة ، ويستحق العاصي العقاب بعصيانه . وليس العقاب على المعاصي أثرا تكوينيّا عليها ، بل جميع الآثار المترتبة عليها سواء كانت في الدنيا أو في الآخرة أفعال