عمدية له تعالى يفعلها اللّه تعالى مع العاصين عقوبة وخذلانا وكلّها خارجة عن حقيقة ذاتهم . وليس أيضا في البين وجوب للعفو ولا الأخذ فإن شاء يأخذه بعدله وإن شاء عفا بفضله . فالعفو مصداق للفضل كما أنّ الأخذ مصداق للعدل .
وحيث إنّ الجنّة دار القدس وموقف الطهارة فلا لغو فيها ولا تأثيم فما دام العباد لم يطهروا من قذارات الذنوب والمعاصي فلا طريق لهم إلى الجنّة وإلّا يلزم أن تكون الجنّة دار التمحيص والاختبار كما في الدّنيا ، ولزم أن تكون وراءها جنّة أخرى يدخلونها بعد الطهارة ، فلا بدّ من التطهّر قبل التشرّف بدار الصدق والجنان الّتي زيّنها سبحانه لأحبّائه وأصفيائه .
هذا بناء على علوم القرآن المبين ، وأمّا بناء على مشرب العارف والحكيم فحيث إنّ المختار عند محقّقيهم أنّ جنّة المتوسّطين هو الرقي إلى عالم الخيال والتخلّص من ظلمات المادّة ومتعلقاتها ، والمقرّبين إلى عالم العقل - وهما عالم النور والحياة - فالذنوب ظلمة ومانعة من النور أو من شدّته وكماله وتمامه ، فمعنى العفو والغفران عندهم ذهاب الظلمات والموانع بالعلل الفاعليّة طبق سنن التكوين أي العلّيّة والمعلولّية . فالعفو والغفران عندهم غير العفو والغفران بحسب علوم القرآن .
فالخلاصة أنّ العفو مصداق لفضله تعالى كما أنّ الغفران كذلك إلّا أنّ الغفران أجلّ وأعلى من العفو . فإنّ العفو محو للذنوب والتجاوز عن عقابها ، والغفران هو محو خاصّ بإهلاك الذّنوب ومحوها بالرحمة الإلهيّة فالعفو والغفران كما أنّهما متغايران مفهوما ، فهما متغايران مصداقا أيضا . وكذلك ليس للعفو درجات متفاوتة إذ أن العفو كما ذكرنا هو محو الذنوب ولا يعقل شدته وضعفه إلّا بحسب أهميّة الذنوب وعدمها .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 156 إلى 164 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما