تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
في المدينة في قعر بيوتكم وكهوفكم لا يدفع قضاء اللّه تعالى وقدره في حقّ المقتولين ، فقد اختار لهم مصرعا لا بدّ أن يلاقوه ، فلا يقدرون على دفع الموت عن أنفسهم بوجه ، ولا تأخير آجالهم ولا تقديمها ولو بلحظة . قوله تعالى :
« وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ » .
الفرق بين هذا الابتلاء وقوله تعالى :
« ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ »
أنّ الثاني حكاية عن حال عموم من في العسكر من المخلصين والمرتابين يعني : إنّ صرفكم عن الكفّار وكفّ أيديكم عنهم واتكالكم على أنفسكم إنّما هو ليعلم الصابر والثابت والفارّ ، بخلاف الابتلاء الأول الّذي في الآية المبحوث فيها ، فإنّ الظاهر أنّ متعلّقه هو الطائفة الّتي أهمّتهم أنفسهم حتّى قالوا ما قالوا ، وأظهروا بألسنتهم ما يكتمون في قلوبهم . وصرح تعالى بأنّ الغرض من هذا الابتلاء استكشاف ما في صدورهم على رؤوس الأشهاد لا استكشاف المخلص من المرتاب فالعناية في المقام غير العناية في الآية السابقة . فعلى هذا يكون قوله تعالى :
« وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ »
تخليص الغشّ والريب في صدورهم عن شوب الإيمان لا تخليص الصدق والإيمان عن الغشّ والريب على ما هو المقرّر من سنّته تعالى في المؤمنين . قوله تعالى :
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » .
( 154 ) فيه إيماء إلى نوع من التهديد وتصريح بأنّ اللّه هو العالم بما في صدورهم وقلوبهم . واحتمال كون الآية شاملة لعموم من في العسكر من دون اختصاص بالطائفة الّتي أهمّتهم أنفسهم ، ساقط لكونه خلاف ظاهر السياق ، فإنّ جميع من في الجيش لا يمكن أن يكون معاتبا بذلك العتب . قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ » .
الظاهر أنّ هذه الآية ليست مسوقة لشأن عموم من في العسكر ، ولا لشأن عموم المصعدين على ما تقدّم التعرّض لهم في قوله تعالى :
« إِذْ تُصْعِدُونَ »
فإنّ اللّه
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 119 | محمد باقر الملكي الميانجي