تعالى قد عفا عنهم وأكرم عدّة منهم بنزول النعاس والسكينة ، بل ظاهر الآية التعرّض لشأن أشخاص معينين . ويشهد عليه الفرق بين التعبيرين فقد عبّر في الآية السابقة ب
« تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ » .
وها هنا ب
« تَوَلَّوْا مِنْكُمْ » ،
فليس فيهم من الطائفة الّتي أهمّتهم أنفسهم . والغرض الأصلي هو التعرّض للذنب الّذي يترتّب عليه هذا التولّي ثم الإعلان عن العفو عنهم على ما سيجيء تفصيله عن قريب إن شاء اللّه تعالى .
قوله تعالى :
« إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا »
أي : طلب الشّيطان منهم الزّلل بما بارتكابهم الفرار عند الزحف .
قال في المنار 4 / 191 : وهناك وجه آخر ؛ وهو أنّ الّذين تولّوا هم جميع الّذين تخلّوا عن القتال من الرماة وغيرهم . . . واستدلّ القائلون بهذا الوجه بما روي من أنّ عثمان بن عفّان عوتب في هزيمته يوم أحد فقال : إنّ ذلك خطأ عفا اللّه عنه . . .
وللسببيّة وجه آخر . . . وهو أنّ تولّيهم عن القتال لم يكن ناشئا إلّا عن بعض ما كسبوا من السّيئات من قبل ، فإنّها هي الّتي أحدثت الضعف في نفوسهم حتّى أعدّتها إلى ما وقع منها . ويؤيّد هذا الوجه قوله تعالى :
« وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ »
[ الشورى ( 42 ) / 30 ] .
والمعنى واحد إلّا أنّه هنالك عام وهنا خاصّ بالّذين تولّوا يوم أحد .
فالآيتان واردتان في بيان سنّة من سنن اللّه تعالى في أخلاق البشر وأعمالهم ؛ وهي أنّ المصائب الّتي تعرض لهم في أبدانهم وشؤونهم الاجتماعيّة إنّما هي آثار طبيعيّة لبعض أعمالهم ، وأنّ من أعمالهم ما لا يترتّب عليه عقوبة تعدّ مصيبة ؛ وهو المعفوّ عنه . . . وهو بعض اللّمم والهفو الّذي يتكرّر ولا يصير ملكة وعادة .
أقول : أنّ الآية الكريمة بمعزل عمّا ذكره ، فإنّ مفادها أنّ الشّيطان يسلّط على العباد إذا أذنبوا ، فالذّنب الأوّل مصيدة للشيطان فالعبد يسقط عن عناية الربّ تبارك وتعالى ويخرج من قبضة حمايته سبحانه فيرتكب بتسويلاته ما هو أعظم