أنّه ليس بالجملة وفي تمام الموارد .
في الإقبال / 340 ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في دعائه يوم عرفة قال :
يا من استنقذ السحرة من بعد طول الجحود وقد غدوا في نعمته يأكلون رزقه ويعبدون غيره ، وقد حادّوه ونادّوه وكذّبوا رسله .
قوله تعالى :
« يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ » .
الطائفة الأولى أصلح شأنا وأحسن حالا من الطائفة الثانية . إذ الطائفة الثانية لم ينزّل اللّه عليها النعاس فبعدت عن كرامة اللّه سبحانه .
قال الرازي في تفسيره 9 / 45 ، في الطائفة الثانية : هؤلاء هم المنافقون عبد اللّه بن أبيّ ومتعب بن قشير وأصحابهما ، كان همّهم خلاص أنفسهم .
أقول : عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه لم يحضروا موقف الحرب وانفصلوا في أوّل الأمر عن الجيش ، فهؤلاء الطائفة التي لم ينزل عليهم النعاس من الذين حضروا الموقف وابتلوا بالغمّ الأوّل والثاني . وليس في ظاهر الآية أنّهم رجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد هزيمتهم . وليس في الآية أيضا أنّهم من المؤمنين .
واحتمال كونهم مشمولين بالعفو في قوله تعالى :
« وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ »
بعيدا جدّا ، إذ كما أنّ العتاب والتوبيخ العام الواردة في حقّ الفارّين لا يعمّ المجاهدين الثابتين ولا يصحّ الاستدلال بها على عصيان جميع من في العسكر لما ثبت بالضرورة أنّ منهم من ثبت وصبر ولم يفرّ ، ولم يولّ فكذلك لا يصحّ الاستدلال بعموم قوله تعالى :
« وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ »
على أنّ جميع الفارّين من القتال كلّهم تابوا وعادوا فإنّ منهم من لم يتب ، ومنهم من لم يعد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد الهزيمة ، ومنهم من كان باطنه مخالفا لظاهره ، فإنّ المقالات الصادرة عن هذه الطائفة الثانية الّتي لم ينزل عليهم النعاس ظاهرة في النفاق . فتكون هذه الطائفة غير عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه من منافقي المدينة لما ذكرناه ، وتكون أيضا غير المؤمنين الّذين نزل عليهم النعاس .
قوله تعالى :
« يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ » .