تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
وسلم . والعالم في قوله :
« إِذْ تُصْعِدُونَ »
قوله
« عَفا »
والظرف متعلّق به أي : عفا عنكم في ذلك الوقت الّذي تصعدون ولا تلتفتون على أحد . قوله تعالى :
« فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ » .
أي : جازاكم . والظاهر أنّ الغمّ الأوّل مجازاة بسبب الغم الثاني . قال الرازي في تفسيره 9 / 40 : الباء في قوله : « غمّا بغمّ » يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة ، كما يقال هذا بهذا ، أي : هذا عوض عن ذاك . ويحتمل أن تكون بمعنى مع ، والتقدير : أثابهم غمّا مع غمّ . في تفسير عليّ بن إبراهيم 1 / 120 ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله :
« فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ » :
فأمّا الغمّ الأوّل فالهزيمة والقتل ، وأمّا الغمّ الآخر فتسلط خالد بن الوليد عليهم . والظاهر أنّ قوله :
« فَأَثابَكُمْ »
متعلّق ومتفرّع على قوله
« لِيَبْتَلِيَكُمْ » .
فإثابته تعالى إيّاهم الغمّ بغمّ هي بعينها من مصاديق الابتلاء ومحقّقاته . وفي التعبير تعريض بأنّ هذا الابتلاء وهذه المجازاة إنّما هي تقدم بما منكم من المعصية ومخالفة أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فالثواب ها هنا ليس كرامة بل مجازاة ، إذ الابتلاء من مظاهر عدله تعالى في عباده ليميّز عباده الصالحين بعنايته تعالى بعد تعب شديد ومحنة زائدة . قوله تعالى :
« لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ » .
هذا أيضا ممّا يتفرّع عن قوله :
« لِيَبْتَلِيَكُمْ »
فإنّ التسليم بقضائه تعالى وما كتب عليهم من البلاء الحسن يسلّي الغموم عمّا فات ، ويذهب الفرح بما أصاب . فهؤلاء المقتولون قوم كتب اللّه عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم . قال تعالى :
« ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ