أي : عفا اللّه عن جميع المنهزمين وخاصّة أصحاب عبد اللّه بن جبير . فمورد العفو - كما هو ظاهر الآية - بعد مخالفة أصحاب عبد اللّه بن جبير ووقوع الابتلاء بقيادة خالد بن الوليد ، ورجوع المشركين ، ووقوع الهزيمة وقتل جمع من المسلمين .
وقوله تعالى :
« وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ »
من تتمّة قوله :
« وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ »
وبيان للامتنان الّذي تفضّل به على المؤمنين فإنّ هذا العفو فضل من اللّه سبحانه بعد الابتلاء والاختبار ، وإحسان منه تعالى .
قال في المنار 4 / 183 : وقد أسند اللّه تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الّذي يعدهم بالنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل . . .
« وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ »
بذلك التمحيص الّذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنّكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا .
أقول : أيّ ارتباط بين التمحيص ورفع الذنب عن المذنبين ؟ ! فإنّ التمحيص والابتلاء إنّما هو لتمييز المخلصين عن المرتابين وينجرّ إلى عزّة المؤمنين وفضيحة المنافقين . أما بحثه هذا فقد أدى إلى أن يفسّر فضله تعالى على المؤمنين بالامتحان .
قوله تعالى :
« إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ » .
قال في لسان العرب 3 / 253 : قال أبو منصور : الإصعاد : الذهاب في الأرض . . . وقال الأخفش : أصعد في البلاد سار ومضى وذهب . . . وأصعد في الوادي : انحدر فيه ، وأمّا صعد فهو ارتقى .
وفيه أيضا 15 / 264 : ولوى عليهم يلوي إذ عطف عليهم وتحبّس . ويقال :
ما يلوي على أحد . وفي حديث أبي قتادة : فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد أي لا يلتفت ولا يعطف عليه .
فالمعنى : إذ تذهبون وتسيرون في الأرض ولا تلتفتون ولا تعطفون على أحد والرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يدعوكم في أخراكم . والظاهر أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان في أخراهم ولمّا ينفصلوا بعد منه صلّى اللّه عليه وآله