قوله تعالى :
« مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ »
أي : منكم من آثر الدّنيا على الجهاد وإطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ومنكم من ثبت وآثر جهاد العدوّ على الدّنيا .
قوله تعالى :
« ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ »
الظاهر أنّه من تتمّة الكلام الأوّل حيث وجّه سبحانه وتعالى الخطاب إلى جميع العسكر . ومعنى صرفه - تعالى - ؛ سلبه تعالى منكم الفتح والنصرة ، وسلبه الرعب من قلوب المشركين فأدى الأمر إلى تغيير نعمة اللّه عليكم واستبدال الفتح والنصرة بالاختبار والابتلاء بالمداولة أي مداولة الأمر للمشركين إملاء لهم واختبارا لكم .
واستشكل في الآية أنّه كيف يمكن ويجوز صرف المؤمنين عن قتل المشركين وجهادهم ؟
والجواب ما ذكرناه من تغيير نعمته تعالى عليهم وسلب الفتح منهم وتبديله بالابتلاء والامتحان . فاللّه تعالى صرفكم عن قتلهم ولم يأذن لكم ، وكفّ أيديكم عنهم بعدم الإذن .
ونقل الرازي في تفسيره 9 / 37 ، عن الجبّائي أنّه أجاب عن هذا فقال : إنّ الرّماة كانوا فريقين : بعضهم فارقوا المكان أوّلا لطلب الغنائم ، وبعضهم بقوا هناك ثمّ هؤلاء الّذين بقوا ، أحاط بهم العدوّ ، فلو استمرّوا على المكث هناك لقتلهم العدّو من غير فائدة أصلا ، لهذا السبب جاز لهم أن يتنحّوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرّزون فيه عن العدّو ، ألا ترى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه وتحصّنوا به ولم يكونوا عصاة بذلك . . .
أقول : هذا خلاف ظاهر الآية ، فإنّ اللّه نسب الفعل إلى نفسه لحكمة الابتلاء . وانصراف بعض المقاتلين عصيانا وبعضهم جوازا أو وجوبا خارج عن مفاد الآية .
قوله تعالى :
« وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ » .
( 152 )