تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وليس كلّ الكفر يثير الرعب بطبيعته وإنّما تلك طبيعة الشرك ؛ وهو اعتقاد أنّ لبعض المخلوقات تأثيرا غيبيّا وراء السنن والأسباب . وفيه أنّ الآية كالنصّ في أنّ الإلقاء من اللّه مباشرة مؤاخذة وعقوبة على شركهم . وأيّ وجه في نسبة الإلقاء إلى اللّه وفرض الشرك سببا للرّعب وليس الشرك من قبل اللّه تعالى . وقال أيضا : فإذا نظرنا في شرك هؤلاء الكافرين وفي حالهم مع أولئك المؤمنين نجد أنّ شأنهم معهم كشأن من يرى نور الحقّ مع خصمه فيحمله البغي والعدوان على جحوده من غير حجّة ولا دليل ، يرتاب فيما هو فيه ويتزلزل . فإذا شاهد الّذين دعوه ثابتين مطمئنّين يعظم ارتيابه ويهاب خصمه حتّى يمتلئ قلبه رعبا منهم . هذا هو شأن الكافرين المعاندين مع المؤمنين الصادقين ، كأنّه تعالى يقول : هذه هي الطبيعة في المشركين إذا قاوموا المؤمنين . أقول : الإنصاف أنّ ما ذكره لا يسمن ولا يغني من جوع فقد أكرم اللّه نبيّه أن ينصره بإلقاء الرعب في قلوب المشركين وهذا لا يحتاج إلى هذه التكلّفات ، فله تعالى أن ينصر المؤمنين بتسبيب الأسباب والعلل على نحو الكرامة مثل الجنود الّتي لم يروها من الملائكة مردفين ، ومثل إلقاء الرعب في قلوب الكفّار والمشركين ثمّ نزول النصر من عند اللّه . قال تعالى :
« إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
* . . .
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
[ الأنفال ( 8 ) / 9 و 10 و 44 ] . وقال أيضا : إنّ إلقاء الرعب خاصّ بتلك الواقعة ولو كان عامّا لشمل غزوة حنين ، ولم يكن الكفّار فيها مرعوبين بل كانوا مستميتين . وكذلك نرى أنّ كثيرا
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 110 | محمد باقر الملكي الميانجي