قد تقدّم معنى الوهن في تفسير قوله تعالى :
« وَلا تَهِنُوا »
[ آل عمران ( 3 ) / 139 ] . فهم ما وهنوا لما أصابهم من القتل والجراح وغيرهما من المصائب والمكاره والآلام ، وما ضعفوا عن القتال ، وما استكانوا أي ما صرعوا وما جزعوا بل صبروا وثبتوا واللّه يحبّ الصابرين فإنّ الوفاء بعهده تعالى وميثاقه المأخوذ من خلقه لا يمكن إلّا بالصبر والثبات . فإنّ الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، فلو كان شيء من الصالحات موردا لمحبّته تعالى فالصبر أولى وأنسب لمحبّته عزّ وجل .
وفي الآية إشعار وحثّ إلى أن يهتدي المؤمنين بهدى الصالحين وأن يستنّوا بسنّة المتّقين ، بأنّه لو قتل نبيّكم أيضا كما شاع ذلك في غزوة أحد لوجب عليكم الثبات والصبر على الإيمان كما ثبت هؤلاء الرّبّيّون .
قوله تعالى :
« وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » .
« 147 »
حكاية عن حال من قاتل مع النبيّين وإخبار عن مقالهم في موقف الحرب . وهذا ينبئ عن خلوص نيّاتهم ، وصفاء سرائرهم ، وانقطاعهم التّامّ إلى اللّه ومناجاتهم مع ربّهم ، وأنّه ليس فيهم سوء قول وإرجاف كما كان من بعض المنافقين في أحد بقولهم : ليت عبد اللّه بن أبيّ يأخذ أمانا لنا من قريش . فما استعظموا جهادهم في سبيل اللّه وإيمانهم وما منّوا على اللّه وعلى أوليائه ، بل استصغروا أعمالهم الحسنة واستعظموا ذنوبهم وقالوا :
« رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا . . . »
.
قال في المنار 4 / 173 :
« وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا »
بالغلّ . فيه ، وتجاوز الحدود الّتي حددتها السنن له .
وفي الآية صدرا وذيلا دلالة على أنّهم قد وطّنوا أنفسهم على الصبر والثبات ولم يخطر ببالهم ولم يختلج في خواطرهم الفرار بل ثبتوا وصبروا صبر الكرام وسألوا من اللّه الفتح والنصر وبلوغ آمالهم ، من عزّة الحقّ وإعزاز اسم اللّه