وليس إلّا لأنّ الشاكرين هم المخلصون الّذين لا مطمع للشيطان فيهم ، ولا صنع له لديهم وإنّما صنعه وكيده إنشاء مقام الربوبيّة والدعوة إلى المعصية .
أقول : أيّ مناسبة بين حقيقة الشكر وحقيقة الإخلاص سوى أنّ المؤمنين المخلصين واجدون لمرتبة الشاكر ، فكلّ مخلص شاكر بالحقيقة وليس العكس على تفاوت مراتب الشاكرين والمخلصين . والآيات الّتي ذكرها لا تفيد ما هو بصدده إذ أولياء الشيطان هم الكافرون لنعم اللّه تعالى فيكون غير الشاكرين هم الغاوين والكافرين بنعم اللّه ، والشاكرون هم المؤمنين المعترفين . فالشاكرون لم يسقطوا إلى مرتبة الغاوين ، ولما ارتفعوا إلى مرتبة المخلصين . ولا فرق في ذلك بين الفعل والوصف ، فالشكر أعمّ من الإخلاص كما أنّ الشاكر أعمّ من المخلص إذ كما أنّ الشاكر هو الذي استقرّ فيه الشكر كذلك المخلص هو الّذي استقرّ فيه الإخلاص .
قوله تعالى :
« وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا » .
يشبه أن تكون الآية متصلة بما قبلها ، وتوبيخا للمدبرين الفارّين بأنّ الفرار من الجهاد ليس أمانا من الموت فليس على كلّ من خاض الغمرات والمهالك أن يموت ، ولا على كلّ من فرّ من الجهاد أن ينجو ويبقى ، بل حرس كل امرئ أجله ، فإنّه لا يقع شيء في السماء ولا في الأرض إلّا بسبع ومنها الأجل والإذن والكتاب .
في الكافي 1 / 149 ، عن العدّة مسندا عن حريز بن عبد اللّه بن مسكان جميعا ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال :
لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّا بهذه الخصال السبع :
بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء ، وإذن وكتاب وأجل . فمن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة فقد كفر .
فقوله تعالى :
« كِتاباً مُؤَجَّلًا »
يمكن أن يكون قيدا للإذن أي الإذن بعد الكتاب وبعد الأجل المكتوب . وليس متعلّق الإذن أمرا مجهولا على نحو الجزاف .
فما زعمه هؤلاء من أنّ الفرار يراخي الأجل أو أنّ إخوانهم الّذين ماتوا في السفر أو قتلوا في الحرب لو كانوا عندهم ما ماتوا وما قتلوا . توهّم فاسد ؛ وهو مستلزم