تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وبئر معونة لم يراعوا سنّة العادة وحرموا من ثواب الدّنيا ولم ينالوا الفتح والنصرة . وفيه أوّلا : إنّ هذا مخالف لقوله تعالى :
« وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ »
فإنّ المداولة من فعل اللّه سبحانه سواء وافقوا السنن أم خالفوها . إلّا أنّ تجهيز العدّة والعدّة على سنّة العادّة ضروريّ عقلا وقد أمر اللّه تعالى به . قال تعالى :
« وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ »
[ الأنفال ( 8 ) / 60 ] . وأمّا ترتّب الفتح والنصرة على هذه فلا محذور في التخلّف مع وجود العدّة والعدّة ، فالظفر بعد موافقة السنن أو مخالفتها إنّما هو بأمر اللّه سبحانه ، وهو للكافرين إملاء وللمؤمنين كرامة . وأمّا غزوة الرجيع وبئر معونة فقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم هذه السرايا أوّلا ، ونسبة التسامح إليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من سوء القول في حقّه . وثانيا : إنّ هذه السرايا لم تبعث للجهاد وإنّما بعثت لتعليم القرآن والفقه في الرجيع ، وللدّعوة إلى الإسلام في بئر معونة لجار أبي براء عامر بن مالك الملقّب بملاعب الأسنّة أي بذمّته وعهده وحمايته ولم يقدر على حفظهم وحمايتهم . قال تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ »
[ الأنفال ( 8 ) / 65 ] . و
« كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ »
[ البقرة ( 2 ) / 249 ] . والحق أنّ الآية الكريمة سيقت لتشجيع المؤمنين على الجهاد وبيان صبر الرّبّيّين وثباتهم وعدم نكوصهم ونكولهم عن عهد اللّه سبحانه . وأمّا مطابقة سنن الطبيعة وعدمها فليس في الآية إشعار بها فقد اختلقها من عند نفسه فضاق عليه المخرج .