يمينه إذا صدقه ولم يحنث . وبرّ رحمه يبرّ إذا وصله .
قال في الجوامع / 32 : الخطاب لأهل الكتاب ، لأنّ اليهود كانت تصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدّس والنصارى قبل المشرق . وذلك أنّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى الكعبة وزعم كلّ واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجّه إلى قبلته فردّ عليهم .
أقول : الظاهر أنّ النفي حقيقيّ وجدّيّ ، فإنّ المتخاصمين ومن يجري مجراهم من المعاندين والمنافقين الذين اتّخذوا تحويل القبلة وسيلة للتشكيك في أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وإيذائه ، ليس غرضهم التعلّم وإزاحة الشبهة الدينيّة فلا بأس بالقول بأنّ التولّي للمشرق والمغرب مع العناد وإبطال الكفر وإظهار الإسلام ليس من اللّه في شيء ولا يصدق عليه البرّ .
قوله تعالى :
« لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » .
إعراض عمّا قالوا وارتكبوا من القيل والقال في أمر القبلة ، وعدول إلى بيان حقيقة البرّ الّذي يرضاه اللّه سبحانه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله . والإيمان هو الإذعان لما عرف وليس هو نفس العرفان ، ومقابله الإنكار والجحود لما عرف .
قال في مجمع البيان 1 / 263 :
« لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ »
أي : لكن البرّ ، برّ من آمن باللّه كقولهم السخاء حاتم والشعر زهير ، أي : السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير .
أقول : فيه أنّ غرض الآية وما سيقت لأجله ليس مقايسة هذا البرّ مع غيره من برّ المؤمنين وإنّما الغرض مقايسته وموازنته مع أصل الإيمان باللّه ، وبيان أوصاف المؤمنين وفضائلهم ومقامات أهل البرّ الّتي تزلّ فيها أقدام الرّجال . وكم فرق بين من لعب بدينه ويستهزئ بنفسه وبين من له قدم صدق عند ربّه .
قوله تعالى :
« وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » .
إنّ الإيمان بالآخرة عديل الإيمان باللّه في موارد كثيرة من القرآن الكريم ؛ وهو تصريح بموقعيّة الآخرة والإيمان بها . واليوم الآخر هو ما بعد الموت إلى أن يستقرّ أهل الجنّة في نعيمهم وأهل النّار في عذابهم ، فالآخرة شاملة للبرزخ