تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
لمّا توعّد اللّه سبحانه الكاتمين بما توعّد ، وبيّن تعالى أن لا يكلّمهم ولا يزكّيهم هوانا وصغارا عليهم وأنّ مصيرهم إلى النّار ، علّل ذلك بأنه تطوّل وتفضّل على أهل العالم بإرسال الرسل وإقامة الحجج ، ونصب لهم أعلام النور ومنار الهداية ، وبعد ما تمّت الحجج وأقيمت البراهين بالمجاهدات الحقّة من الأنبياء وبما كابدوا من المحن وما تجرّعوا من الغصص ، وتحمّلوا في جنب اللّه وفي مرضاته ليستنقذوا عباده من ظلمات الشرك والجهل والخرافات . فخلف بعدهم قوم اتّبعوا الشهوات فاستبدلوا رحمة اللّه بغضبه وكرامة اللّه بهوانه وخذلانه ثم سخّروا الكتاب حسب أهوائهم وشهواتهم وعلى ما يقوم به عماد عيشهم فخانوا اللّه وأنبياءه وضيّعوا مجاهدة الأنبياء والرسل والروحانيّين الصدّيقين ، وأخرجوا النّاس من الهدى إلى الضلال ، ومن النّور إلى الظلمات . فهذا أعظم جناية على المجتمع البشري ، وعلى السعادة الّتي هيّأها اللّه تعالى لهم على أيدي أمنائه فما اختلفوا في الكتاب إلّا بغيا وعدوانا . ولا كلام في أنّ الهدى قبل الضلال ، وأنّ الحجّة قبل المحجوج ، وأنّ الدنيا تفتح بالحجّة وتختم بالحجّة ، ولا يزال تتواتر الرسل والحجج . ومع ذلك كلّه ، وبمطالعة ما هو جار في سنن اللّه تعالى ، يعلم أنّه ما محض الإيمان والكفر إلّا قليل من النّاس . وليس ذلك إلّا بتدخل الظلمة والفراعنة الممحّضين بالكفر ، وسدّهم باب العلم والحقّ ؛ فلا محالة يحرم نتيجة ظلم الظالمين عدد كثير من العالمين من نور العلم وعاشوا في حيرة الجهل . وتجد في العالم قديما وحديثا ملايين كثيرة ممّن لم يعرفوا الهدى من الضلالة والحق من الباطل فضلا عن الّذين كانوا في فترات من العلم وهجعة من الأمم . والفرق بين زماننا هذا والأزمنة السابقة تسلّط الكفّار وسعة قدرتهم ، وشدّة مكرهم فإنّهم يتدخلون في أمور الأديان بكلّ ما أوتوا من الحيل والدسائس ، فأوجدوا ظلمة هالكة في أقطار الأرض ، وقد أصرّوا غاية الإصرار على الضلال وإبطال الحقائق . وبديهيّ أنّ اختلافهم - على تشتّت كلمتهم وآرائهم - لا يختصّ بجانب
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 86 | محمد باقر الملكي الميانجي