تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
يكون المراد في مورد النفي والاثبات هو الكلام المناسب لساحة قدسه تعالى . قال تعالى :
« وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » .
[ الشورى ( 43 ) / 51 ] حصر اللّه تعالى تكلّمه مع خلقه في ثلاثة أقسام : الأوّل : الوحي . الثاني : تكليمه من وراء الحجاب . الثالث : تكليمه بإرسال الرسل . فهذه الأنحاء الثلاثة قد أطلق عليها التكلّم . والظاهر أنّ من مصاديق التكلّم بالوحي قول أمير المؤمنين عليه السّلام في النهج ، الخطبة / 222 : ما برح للّه - عزّت آلاؤه - في البرهة بعد البرهة ، وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم ، في فكرهم ، وكلّمهم في ذات عقولهم فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة . ومن مصاديق الثّاني قوله تعالى :
« وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ » .
[ الأعراف ( 7 ) / 143 ] ومن الثالث قول أبي عبد اللّه عليه السّلام في الخصال 1 / 258 : تعلّموا العربيّة فإنّها كلام اللّه الّذي تكلّم به خلقه . فلو كان المراد من نفي كلامه تعالى معهم مطلقا هو إعراضه سبحانه عنهم وكناية عن عدم عطفه تعالى عليهم فحينئذ لا تنافي بين الآيات الدالّة على توبيخهم وتبكيتهم مثل قوله تعالى :
« أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ . . . »
[ القصص ( 28 ) / 62 و 74 ] وبين قوله :
« اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ » .
وهذا المعنى ليس ببعيد في المحاورات العرفيّة ؛ وورد مثله قوله تعالى :
« وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 77 ] فإنّ عدم النظر إليهم صريح في أنّه تعالى لا يرحمهم برحمة من رحماته . قوله تعالى :
« وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » .
( 174 ) لا كلام في أنّه ليس المراد من التزكية التطهير بالتربية والإصلاح ، فإنّ