الواجبات فلا معنى للحرج في المحرّمات . ونفي الضرر لسانها أنّه لا يجوز الإضرار من أحد إلى غيره . والاضطرار غير الحرج والضرر فالاضطرار إلى فعل الواجب يؤكّد الامتثال فلا معنى لرفعه . فتحصّل أنّ مورد الآية الكريمة والحكم المرفوع من ناحية الاضطرار إنّما هو في المحرّمات التعبّديّة فقط والمحرّمات العقليّة خارجة عن محلّ البحث فإنّها ليست موضوعة بوضع الشارع كي تكون مرفوعة برفعها .
وكذلك الواجبات الشرعيّة والعقليّة أيضا ، فإنّها لا مانع لأن تطاعا ولو بالقهر والإجبار وكذلك المحرّمات الشرعيّة في من أوقع نفسه في الاضطرار من العصاة فإنّ الباغي لو خرج على إمام عدل ووقع في مخمصة ومجاعة يحرم عليه تناول الميتة وأمّا إذا وقع في مخمصة غير متجانف لإثم عليه . قال تعالى :
« فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .
[ المائدة ( 5 ) / 3 ]
أقول : هذه الآية والآية المبحوث عنها متّحدة المفاد لأنّه من الواضح أنّ قوله تعالى :
« غَيْرَ مُتَجانِفٍ »
حال أو صفة للمضطرّ فيكون الأكل وجوازه بعد تثبيت الموضوع بجميع قيوده وشرائطه .
قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا » .
قد شرحنا كتمان الآيات والعلم في تفسير قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى » .
[ البقرة ( 2 ) / 159 ]
والمشهور عند المفسّرين في المقام أنّ المراد من الكاتمين هم علماء اليهود حسدا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وإبقاء لرئاساتهم الباطلة على سفهائهم وأراذلهم ، وطمعا في حطام الدنيا . وهم لكثرة حمقهم وخفّة أحلامهم استبدلوا الإيمان برسول اللّه والفوز بكرامته تعالى ، والوصول إلى رضوانه سبحانه ، وإلى ما هو خير وأبقى ؛ بالثمن البخس وهي مأكلة أيّام قلائل والرئاسة الوهميّة على نفر يسير وهذا وإن كان في حدّ نفسه عظيما عند أهل الدنيا والمفتونين بها إلّا أنّه قليل جدّا عند أهل البصيرة وأبناء الآخرة .