تجويز شرب غرفة منه فعلى هذا من لم يشرب ولم يذق أصلا هو الأفضل ، ومن شرب مليّا ورويّا فخارج عن المفلحين وكثير منهم كذلك ، ومن شرب يسيرا فهو أيضا من المؤمنين المفلحين على اختلاف درجات من الإيمان شدّة وضعفا .
قوله تعالى :
« فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ » .
أي جاوز النهر طالوت والّذين معه . وقد سكت عن ذكر الشاربين واعتنى بذكر المؤمنين فقطّ ، والظاهر أنّ الشاربين لم يجاوزوا النهر أو لم يكن جوازهم طاعة للّه ونصرة للحقّ فجاز أن يقال : إنّهم لم يجاوزوا النهر ، ولم يكونوا مع طالوت حقيقة ، فالإعراض عن ذكرهم والسكوت عن تجاوزهم النهر دليل على أنّهم لم يحضروا للموقف وما استعدّوا للقتال . واحتمال كون المراد من « الّذين آمنوا معه » هم المؤمنين الّذين ذكرهم اللّه تعالى في صدر القصّة :
« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ »
بعيد غايته .
قوله تعالى :
« قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ » .
القائلون هم المؤمنون لا الشاربون ، فإنّه قد كان فيهم من هو أضعف إيمانا بالنسبة إلى الآخرين ، فإنّهم لمّا رأوا جالوت وشوكته وكثرة جنوده وما أعدّ من التجهيزات العسكريّة من السلاح والمراكب وغيرهما هاج بهم الخوف وغلب عليهم الجبن فقالوا إنّا لا نستطيع أن نقاتل جالوت وجنوده .
في روضة الكافي / 316 ، عن محمّد بن يحيى مسندا عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ :
« إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً . . . »
قال :
. . . فشربوا منه إلّا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، منهم من اغترف ، ومنهم من لم يشرب ، فلمّا برزوا قال الّذين اغترفوا :
« لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ »
وقال الّذين لم يغترفوا :
« كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ . . . » .
قوله تعالى :
« قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » .
( 249 )
قد ذكر لقاء اللّه ولقاء الآخرة في موارد متعدّدة في القرآن .