أي إنّ في إتيان التابوت آية لأمّة بني إسرائيل ، لا أمة الإسلام . وآية الخلافة في أمّة الإسلام هو سلاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وغيره من مواريث الأنبياء ، يرثها أئمّة أهل البيت عليهم السّلام كابر بعد كابر ، وقد اجتهد خلفاء الجور في غصبها وما تيسّر ذلك لهم كما تيسّر غصب الخلافة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .
قوله تعالى :
« فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ » .
لمّا انفصل طالوت بالعسكر أخبر هو أو النبيّ الّذي يقيم له أمره ، بما سيقع عليهم من ابتلائه تعالى إيّاهم ، فإنّه قد جرت سنّته الحكيمة الفاضلة باختبار الأمم ليميّز اللّه الخبيث من الطيّب . قال تعالى :
« ألم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » .
[ العنكبوت ( 29 ) / 1 - 3 ]
الابتلاء والاختبار والافتنان تثبيت للمؤمنين وتمحيص لهم من غيرهم ، فإنّ الّذين ليس لهم قدم ثابت في الدّين من أراذل الناس الّذين يزعمون أنّهم من الأحرار والأبرار ، يخرجون من صفوف المؤمنين في أوائل الابتلاءات والامتحانات ، وهكذا إلى أن لا يبقى إلّا الأندار . الحمد للّه الّذي طهّر أولياءه ببلائه وميّزهم بوفائهم وإخلاصهم عند تراكم البلايا والفتن من أعدائه . فلو لم يمتحن اللّه عباده ولم يفرّق بينهم لخلط الأراذل والفاسقون بالمتّقين وأهل الوفاء باللّه سبحانه .
وقد حتم على نفسه القدّوس الاختبار والامتحان ليذهب منهم من لا حاجة له إلى اللّه ويبقى منهم من كان من المخلصين ولا يبالي .
وتعيين النهر الّذي ابتلى اللّه بني إسرائيل به خارج عن هدف القصّة وما هو ملاك العبرة . وقد أعلن أنّ الشرب منه محرّم ، والشارب خارج عن حزب اللّه المفلحين إلّا من اغترف غرفة . فالمحرّم هو الشرب والتروّي والتملّي منه والاستثناء