زعموا أنّ كرامة اللّه ومجده وقف خاصّ للأغنياء ولا يتجاوز غيرهم فعابوه بفقره نظير ما عابت قريش وقالت في حقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله :
« وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » .
[ الزخرف ( 43 ) / 31 ] ، فرّد اللّه عليهم وقال :
« أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . . » .
قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ » .
اصطفاؤه تعالى واختياره شخصا على العباد هو جعله آمرا بأمره وحاكما بحكمه فيهم ، فلا بدّ من إفاضة العلم من اللّه تعالى فإنّه الركن الأصيل في الخلافة والحكومة الإلهيّة . وبديهيّ أنّ هذا العلم ليس من سنخ العلوم العادية في الناس ، فأقلّ ما يلزم على الحاكم للخلق أن يكون أعلم من جميع من يسودهم ويقودهم ، وأخشاهم وأتقاهم ولا بدّ أن يكون بصيرا بتدبير الحكومة طبق ما قلّده اللّه واستخلفه في عباده ، ولا يمكن هذا إلّا بتأييد وتعليم من اللّه تعالى بخصوصه .
وكذلك لا بدّ أن يكون قويّا في إنفاذ أوامره تعالى وأحكامه فالنقص في القوى الجسميّة يقعده عن إنفاذ أوامره الّتي تحتاج إلى إعمال القوّة والقدرة .
قوله تعالى :
« وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ » .
الظاهر أنّ المراد من الملك أعم من التشريعيّ والتكوينيّ ، والقدر المتيقّن هو التشريعيّ ، وهو جواز الأمر والنهي والتصرّف في أمور العباد وشؤونهم . وأولياؤه تعالى يملكون هذا المقام بتمليكه تعالى وهو حقّهم بعطائه سبحانه فإنّه لا يجوز لأحد التصرّف في شؤون أحد إلّا لأوليائه الّذين ملّكهم اللّه تعالى هذا المقام لهم ، فالّذين غصبوا هذا الشأن ويملكونه واستقلّوا به ، خاصّة الّذين ادّعوا اختصاصهم به بغير إذن من اللّه ، هم أشقى الناس وأظلمهم وأرذلهم فإنّهم تصرّفوا في سلطان المولى بغير إذنه وادّعوا ما ليس لهم بحقّ .
وحيث إنّ اللّه تعالى مالك أزلا وابدا لما علم من الأنظمة غير المتناهية فضلا عن النظام الواحد الأصلح فإنّ وحدة النظام تنافي العلم بل هو عين التناهي والتحديد ، فالمالكيّة من نعوته وكمالاته الّتي يجب إثباتها فيه تعالى ، فمع فرض