والملك ، إذ ليس من بيوت الكبار من أولاد الأنبياء والملوك ، وليس له ثروة وجاه عند الناس ، ونحن أحقّ بالملك منه ، أجابهم النبيّ صلوات اللّه عليه أنّ اللّه اصطفاه واختاره للإمارة عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ، فالاصطفاء من اللّه نصّ في المقصود وكونه ذا علم إلهي وبرهان قطعيّ لتقدّمه على الجاهل والحكومة عليه والقيمومة الدينيّة والاجتماعيّة له .
ومنها قوله تعالى :
« وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ »
فإنّ الظاهر أنّ الإيتاء تشريعيّ . والمراد أولويّة التصرّف في جميع ما يحتاج إليه مقام الحكومة في عباده وبلاده فإنّه لا تحلّ إمارة أحد على أحد ، وتصرّف أحد في شؤون غيره إلّا على اللّه تعالى ومن استخلفه سبحانه .
ومنها قوله تعالى :
« إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ »
فإنّ إتيان التابوت كان أمرا خارقا للعادة إذ فيه سكينة من اللّه وآثار العلم ومواريث النبوّة .
ومنها إخباره بابتلائهم واختبارهم بالنهر وهذا ليس إلّا بتعليم إلهيّ أو بتعليم هذا النبيّ .
ومنها كون داود النبيّ صلوات اللّه عليه في عسكره سواء كان نبيّا قبل الموقف أم لا ، فإنّه صلوات اللّه عليه كان من الّذين سبقت لهم من اللّه الحسنى بعين عنايته سبحانه في مأدبته القدسيّة .
قوله تعالى :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » .
اختلفوا في هذا النبيّ . وتعيين اسمه عليه السّلام في المقام خارج عن الغرض المسوق له الكلام .
قوله تعالى :
« قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا » .
لمّا كان المعهود من عادة بني إسرائيل هو اللّجاج والخصام والعصيان للأنبياء والحكّام قال لهم نبيّهم : « هل عسيتم . . . » أورده على طريق الاستفهام استيضاحا لما في بواطنهم ، وإتماما للحجّة عليهم ، ولأخذ التعهّد والوثوق منهم ، وتحذيرهم من مخالفة الملك المبعوث لهم كما خالف أسلافهم موسى وهارون عليهما