قوله تعالى :
« الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » .
أي التطليق الّذي يجوز الرجوع بعده مرّتان ، وأمّا الطلقة الثالثة فغير محكومة بأحكام الطلقة الأولى والثانية ، فلا بّد من إفرادها بذكر مخصوص ، ضرورة عدم جواز الإمساك بالمعروف بعد الطلقة الثالثة دون الأولى والثانية . إذ الإمساك بالمعروف هو الرجوع بها في العدّة أو تجديد العقد بها بعد العدّة .
والتسريح لغة هو التطليق والارسال لا إدامة الطلاق والإرسال . قال تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا » .
[ الأحزاب ( 33 ) / 28 ]
و
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا » .
[ الأحزاب ( 32 ) / 49 ]
فلمّا كان التسريح مرادفا للطلاق بل هو أصرح مفهوما منه ، ويترتّب ويتفرّع من تحقّق الطلاق مرّتين كترتّب الإمساك على الطلاق مرّتين ، فلا يجوز تفسير التسريح بإبقاء الطّلاق وإدامته ، بل هذا التسريح أصيل في حدّ نفسه ، متوقّف على تحقّق الزوجيّة فلا بدّ أن يكون بعد الإمساك بالمعروف سواء كان الإمساك بالرّجوع بعد الطلاق الثاني أو بعقد جديد ، وإلّا فلا معنى للتسريح والتطليق إلّا على مذهب من يرى جواز وقوع الطلاق بعد الطلاق من دون رجوع أو عقد .
وسيجيء بعيد هذا في تفسير قوله تعالى :
« فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ . . . »
أنّ المراد من هذا الطلاق هو التسريح والطلاق الثالث ، والغرض من ذكره ثانيا هو بيان ما يتفرّع من الطلاق الثالث والتسريح . ولكن قال الرازي في تفسيره 6 / 97 : ولأنّا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله :
« فَإِنْ طَلَّقَها »
طلقة رابعة ؛ وإنّه غير جائز .
أقول : لم يتفطّن أنّ الآية سيقت لبيان ما هو متفرّع من التسريح والتطليق الثالث لا لبيان الطلاق كما لا يخفى على من تأمّل فيها . وقد صرّح أئمّة أهل البيت صلوات اللّه عليهم أنّ المراد من التسريح بالإحسان هي الطلقة الثالثة .