تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
لغير الحرث ، فالمستدلّ بهذه الآية على جواز الإتيان في أدبار النساء لا بدّ له من إثبات التخيير في المأتيّ فيه والحال أنّ الآية صريحة في أن التخيير في طور الإتيان من الأمام في موضع الحرث أو من الدبر في موضع الحرث . وكذلك المستدلّ بالآية على المنع أيضا لا بدّ له أن يقول : إنّ الترخيص في إتيان موضع الحرث يدلّ على المنع في إتيان غير موضع الحرث . وهو بديهيّ المنع ، ضرورة أنّ أمره تعالى بالإتيان من حيث أمر اللّه سبحانه ابتغاء الولد وكثرة النسل ، وترخيصه تعالى إتيان الحرث كيفما شاؤوا ، لا يدلّ على تحريم الاستمتاع والاستلذاذ من النساء بوجه آخر . فلو وجد دليل من الكتاب والسنّة على جواز إتيان ما عدا موضع الحرث والنسل ، لما كان متعارضا بهذه الآية ، فالآية الكريمة بمعزل عن مقصد المانعين والمجوّزين . قال الرازي في تفسيره 6 / 71 : وحجّة من قال : - إنّه يجوز إتيان النساء في أدبارهنّ من وجوه : الحجّة الأولى أنّ اللّه تعالى قال في آية المحيض :
« قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ »
جعل قيام الأذى علّة لحرمة إتيان موضع الأذى . ولا معنى للأذى إلّا ما يتأذّى الإنسان منه وههنا يتأذّى الإنسان بنتن روائح ذلك الدّم وحصول هذه العلّة في محلّ النزاع أظهر ، فإذا كانت تلك العلّة قائمة ههنا وجب حصول الحرمة . وفيه أوّلا أنّه قياس باطل . وثانيا منقوض بالمستحاضة . وثالثا القياس على فرض تماميّته وإثباته التحريم ، أجنبيّ عن الدلالة اللفظيّة للآية . وقال أيضا : الحجّة الثانية قوله تعالى :
« فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ » .
وظاهر الأمر للوجوب ، ولا يمكن أن يقال : إنّه يفيد وجوب إتيانهنّ ، لأنّ ذلك غير واجب فوجب حمله على أنّ المراد منه أنّ من أتى المرأة وجب أن يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر اللّه تعالى به ، ثمّ هذا غير محمول على الدبر ، لأنّ ذلك بالإجماع غير واجب فتعيّن أن يكون محمولا على القبل وذلك هو المطلوب . وفيه أنّ الأمر بعد تسليمه إفادة الوجوب وبعد تسليمه إفادة التعيّن لموضع الحرث وجوبا ، لا يدلّ على تحريم ما سواه إلّا أن نقول : إنّ الأمر بالشيء يقتضي
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 234 | محمد باقر الملكي الميانجي