المعاصي حسن ، والاستغفار من الخطايا عبادة ، فالتوبة خير كلّها وعبادة بالحقيقة ، إذ هو محض العبوديّة ، فحبّه تعالى للتّائبين من عميم فضله وسعة إحسانه ، فسبحانه من توّاب ما أرأفه .
في النهج ، الكتاب / 31 ، في وصيّته صلوات اللّه عليه لابنه الحسن عليه السّلام قال بعد الحثّ الأكيد على الدّعاء :
ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ويلجئك إلى من يشفع لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يعيّرك بالإنابة . . . ولم يشدّد عليك في قبول الإنابة . . . بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة وحسب سيّئتك واحدة ، وحسب حسنتك عشرا ، وفتح لك باب المتاب وباب الاستعتاب .
فالتوبة فضل اللّه لعباده ، إذ العاصي يستحقّ في أوّل عصيانه الأخذ والطرد والخذلان . وقد فتح على عباده باب التوبة وشدّد عليهم في أمرها وقال لهم :
« وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ » .
[ الأنفال ( 8 ) / 19 ] فمتى شاؤوا يقرعون بابه ويعتذرون إليه ويستغفرون ممّا جنوا وعصوا فيقبل إليهم إقبال المحبّين ، فسبحانه ما أعجب رأفته وبرّه بالعاصين التائبين .
فكفى بها فضلا وشرفا أنّها من أعظم الفرائض وأجلّ العبادات ، واللّه سبحانه يهدي إلى جنابه من ينيب إليه . فإنابة العبد إلى اللّه ووقوفه موقف التسليم وقوف من لا ربّ له إلّا اللّه وحده ، ويسأله ويتضرّع إليه إيفاء لوظيفة العبوديّة ورفع الغفلات عنه ونزول السكينة الإلهيّة عليه ، عين الهداية الربّانيّة ، قد دخل حريم الأنس ، وجلس بساط القرب ، وقبض اللّه قلبه إليه ، وأطلق لسانه بالتمجيد له ، حتى أقبل بكلّه وكنه همّته إلى اللّه مناجيا باكيا قلقا ، وأقبل اللّه تعالى إليه إقبال الشفيق وأنصت إليه إنصات الصديق ويجيبه إجابات الأحباء ويناجيه مناجاة الأصدقاء .
ثمّ لا يخفى أنّ التوبة تختلف مراتبها بحسب اختلاف مراتب التائبين فلا محالة تختلف مراتب التوبة وتنقسم إلى الأكمل والكامل .