عن الوجود فكلّه محبوب له تعالى ، غير خال من المغالطة ، فإنّ من الوجود الّذي سمّوه آثار الحقّ الأوّل ، أفعال العباد ، فهي محبوبة له تعالى بالحبّ الأزلي ، والحال أنّ كثيرا من أفعال البشر ممّا يكرهه تعالى ويبغضه ، وهذا معلوم بالبداهة والضرورة وصراحة العقل .
وقوله :
« التَّوَّابِينَ »
أي الراجعين إلى ربّهم والمقبلين إليه سبحانه بالندم وطلب المغفرة بعد ما أدبروا عنه تعالى وعصوه ، وانقلبوا عمّا اقترفوا وارتكبوا من السيّئات . وحيث إنّ الإيمان باللّه جلّ ثناؤه والقيام على ما علم وعرف من الحقّ واجب ببداهة العقول وليس بجعل جاعل ، فيكون العصيان والمخالفة للإيمان ولما علم وعرف من الحقّ حراما بالضرورة ، والقيام بشرائطه واجبا سواء كان في أوّل الأمر أو بعد ما خالف وأدبر ، فالمعصية حرام قبل العصيان وبعده ولا اشكال في وجوب الرجوع إلى اللّه سبحانه والتواضع بطاعته إليه تعالى كما أنّه لا كلام في حرمة المعصية والإصرار والإدامة عليها . فلا مسوّغ للطفرة والتسامح في الرجوع إلى اللّه والانقلاع عن المعصية .
فوجوب التوبة من المستقلّات العقليّة . وجميع ما ورد في الكتاب والسنّة من الأمر بها والحثّ عليها إرشاد به وتذكرة إليه . وتقريب ذلك أنّ الأحكام من الواجبات والمحرّمات سواء كانت من المستقلّات العقليّة أو من التعبّديّات الشرعيّة المولويّة لا بدّ من امتثالها والخروج عن عهدتها بالضرورة ، والإهمال في ذلك غير مسقط لوجوب الامتثال ، وهذا الوجوب باق بحاله كما كان . وكذلك التصميم على المخالفة والعصيان في المستقبل ، فالتوبة واجبة بعين وجوب الامتثال بالبداهة ، فهي تجديد إيمان والتزام وإحكام عهد وتثبيت ميثاق كما صرّح بذلك سيّد العابدين صلوات اللّه عليه في دعائه في طلب التوبة من الصحيفة الكاملة السجّاديّة ، قال عليه السّلام :
لك يا ربّ شرطي أن لا أعود في مكروهك ، وضماني ألّا أرجع في مذمومك ، وعهدي أن أهجر جميع معاصيك . . .
فالإيمان باللّه والالتزام العملي بالأعمال الواجبة والمحرّمة عبادة ، والندم عن