وَيُحِبُّونَهُ »
فقال : بحقّ يحبّهم فإنّه ليس يحبّ إلّا نفسه ، على معنى أنّه كلّ الوجود وليس في الوجود غيره كمن لا يحبّ إلّا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه ، فلا يتجاوز حبّه ذاته وتوابع ذاته من حيث هو متعلّق بذاته فهو إذن لا يحبّ إلّا نفسه . . . فمحبّته لما سواه لا يؤدّي إلى نقص فيه ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، فحبّه تعالى لمن أحبّه أزلي مهما أضيفت إلى الإرادة الأزليّة والعلم الأزليّ بوجه نظام الخير ؛ وإذا أضيفت إلى فعله وتوفيقه وهدايته وتسهيله سبيل الحقّ الّذي يكشف به الحجاب عن قلب عبده فهو حادث في صدور حدوث السبب المقتضي له . . .
[ حبّه تعالى ]
وقال في إطلاق لفظ المحبّة إلى الخالق والمخلوق : نعم ، الأسامي كلّها إذا أطلقت على اللّه تعالى وعلى غيره لم يطلق عليهما بمعنى واحد في درجة واحدة حتّى أنّ اسم الوجود الّذي هو أعمّ الأشياء اشتراكا لا يشمل الواجب والممكن على نهج واحد . . . مع ذلك ليس إطلاق الوجود على ما سوى اللّه مجازا لغويّا بل مجازا عرفانيّا عند أهل اللّه ، وهكذا في سائر الأسامي كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها فكلّ ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق .
وفي المنار 3 / 199 ، عن الغزالي في بيان معنى محبّة اللّه للعبد ، قال بعد ذكر معنى الحبّ في الخلق : فأمّا حبّ اللّه للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا ، حتّى أنّ اسم الوجود الّذي هو أعمّ الأسماء اشتراكا ، لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد بل كلّ ما سوى اللّه تعالى فوجوده مستفاد من وجود اللّه تعالى ، فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع وإنّما الاستواء في إطلاق الاسم . . .
وهذا التباعد في سائر الأسامي أظهر كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها . وكلّ ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق وواضع اللّغة إنّما وضع هذه الأسامي أوّلا للخلق فإنّ الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق ، فكان استعمالها في حقّ الخالق بطريق الاستعارة والتجوّز والنقل .
أقول : الحقّ في المقام أنّ حبّه تعالى مقدّس ومتأبّ عن التصوّر والتوهّم والتشبيه فلا بدّ أن يعرف بآثاره وعلاماته عرفانا وإثباتا خارجا عن الحدّين : حدّ التعطيل والتشبيه ، فالقول بأنّ الوجود خير كلّه وكلّ ما في دار التحقّق لا يخرج