فاعتزلوا موضع الحيض من النساء . وعلى هذا التقدير لا يتطرّق إلى الآية نسخ ولا تخصيص .
أقول : الآية الكريمة ليست ظاهرة في المعنى الّذي ذكره بل هي ظاهرة في وجوب الاعتزال والتنحّي عن النساء في حال الحيض . وقلنا : أنّ هذا كناية عن الاختلاط الجنسي فتكون الآية ظاهرة في حرمة الاختلاط الجنسي في حال الحيض ، فإنّ الآية الكريمة بعد التأمّل فيها صدرا وذيلا تدلّ على أنّ المراد هو الاعتزال الخاصّ : وهو الاعتزال عن الوقاع في موضع الدّم لا مطلق الاعتزال ، حيث قال تعالى :
« فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ » ،
فإنّ الأمر بالإتيان ليس للوجوب بل مفاده رفع الحظر ، والإرسال والإطلاق في إتيانهنّ ، مثل قوله تعالى :
« وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا » .
[ المائدة ( 5 ) / 2 ] ، فلسان التحليل ورفع الحظر صريح أنّ الممنوع في زمن الحيض هو الإتيان فقط لا مطلق الاعتزال .
فتحصّل أنّ الآية الكريمة لا تدلّ على أزيد من تحريم موضع الدّم ، وأمّا كراهة سائر الاستمتاعات أو تحريمها فخارج عن مفاد الآية فلا بدّ أن يطلب من أدلّة أخرى .
قوله تعالى :
« وَلا تَقْرَبُوهُنَّ » ،
عطف تفسير وتوضيح لقوله تعالى :
« فَاعْتَزِلُوا »
وقد عبّر تعالى عن ترك الوقاع بالاعتزال وعدم القرب ، مراعاة للأدب البالغ في القرآن الكريم ، فالصفح عمّا يستقبح ذكره من سنّة الكرام الأبرار المتأدبين بأدب اللّه سبحانه .
قوله تعالى :
« حَتَّى يَطْهُرْنَ » ،
قيد وغاية لوجوب الاعتزال وحرمة القرب منهنّ ، وظاهره الإطلاق وعدم توقّف مسّهنّ بأمر آخر غير الطهارة . والطهارة هو النقاء من الدّم وانقطاعه ، وضدّها القذارة .
هذا كلّه بناء على قراءة يطهرن - بالتخفيف - وأمّا بناء على قراءة يطّهّرن .
- بالتشديد - فقال البيضاوي في تفسيره 1 / 118 :
« وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ » .
تأكيد للحكم وبيان لغايته ؛ وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع . ويدلّ عليه صريحا قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عبّاس « يطّهّرن » أي يتطهّرن بمعنى