تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
البيت عليهم السّلام أنّ العموم والإطلاق في الآيات والروايات إنّما هو من حيث الغرض المسوق له الكلام لا مطلقا ، فلا يجوز التمسّك مثلا بإطلاق قوله تعالى :
« فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ » .
[ المائدة ( 5 ) / 4 ] على طهارة الكلب . قال الرازي في تفسيره 6 / 40 بعد ذكر الآيات الأربع الّتى نقلناها عن الكشّاف : قال القفّال - رحمه اللّه - : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أنّ اللّه تعالى علم أنّ القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرا فعلم أنّه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ ذلك عليهم فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج . وقال في الميزان 2 / 202 : ولم يزل الناس بقريحتهم الحيوانيّة يميلون إلى لذائذ الشهوة فيشيع بينهم الأعمال الشهوانيّة أسرع من شيوع الحقّ والحقيقة ، وانعقدت العادات على تناولها وشقّ تركها والجري على نواميس السعادة الإنسانيّة ، ولذلك أنّ اللّه سبحانه شرّع فيهم ما شرّع من الأحكام على سبيل التدريج وكلّفهم بالرفق والإمهال . ومن جملة تلك العادات الشائعة السيّئة ، شرب الخمر فقد أخذ في تحريمه بالتدريج على ما يعطيه التدبّر في الآيات المربوطة به فقد نزلت أربع مرّات . أقول : التدريج في الأحكام التعبديّة إنّما يتصوّر في مقام البلاغ وعدم أخذ الناس بالأنف والشدّة على الطاعة كما هو الحال في غير الأحكام التعبّديّة من المستقلّات العقليّة المحرّمة أو الواجبة أو الفضائل والمكارم . فلا يمكن للدّاعي أن يأخذ الأقوام الفظّة الغليظة بجميع المستقلّات العقليّة ، وأن يطالبهم بالطاعة بالأنف والشدّة . وكذا في بعض الأحكام التعبديّة المحرّمة أو الواجبة . فقد يكون الشيء محرّما أو واجبا بحسب أصل التشريع إلّا أنّه لم يأن أوان تبليغه ، فعلى هذا فما قالوا من كون تحريم الخمر وتشريع حرمتها تدريجا لا محصّل له . وليس في الآيات والروايات ما يدلّ على حلّيّة الخمر شرعا . وسكوت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وعدم نهيه عنها لا يدلّ على حلّيّتها في أمثال المقام . ومن العجيب ما نقلناه عن الكشاف أنّ عمر بعد نزول تحريم الخمر في