تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١

[ تحريم الخمر ]

قوله تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ » .
قال في لسان العرب 4 / 255 : والخمر : ما خمر العقل وهو المسكر من الشراب . . . تخمّر بالخمر : تسكّر به . قال في الكشاف 1 / 259 : نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكّة :
« وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً » .
[ النحل ( 16 ) / 67 ] فكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم . ثمّ إنّ عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا : يا رسول اللّه أفتنا في الخمر فإنّها مذهبة للعقل ، مسلبة للمال ، فنزلت :
« فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ » ،
فشربها قوم وتركها آخرون . . . فنزلت :
« لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى » .
[ النساء ( 4 ) / 43 ] فقلّ من يشربها . . . فقال عمر : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت :
« إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ » .
إلى قوله :
« فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » .
[ المائدة ( 5 ) / 90 و 91 ] فقال عمر ( رض ) انتهينا يا ربّ . أقول : لا إشكال أنّ السؤال ليس إلّا عن الحكم واحتمال السؤال عن ماهيّة الخمر احتمال ساقط . وليس في الآيات والسنن المعتبرة ما يدلّ على حلّيّة الخمر قبل نزول الآيات . واستفادة حلّيّتها من قوله تعالى :
« وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً » .
كما هو الظاهر من عبارة الكشاف ، ليس بصحيح ، فإنّ الآية الكريمة في مقام تعداد آيات الكون والاستدلال بعجائب خلقه ولطائف صنعه ، بوجود بارئها ومدبّرها . وليس في مقام التشريع والتحليل ، فلا يمكن الإفتاء بالتحليل استنادا إلى الآية ، إذ مقام الاستدلال على إثبات الصانع وتشريع سننه تعالى في خلقه ، أجنبيّ عن مقام تشريع الحكم تأسيسا أو إمضاء أو تقريرا ، فإنّ الفقيه الفهيم لا يرضى أن يقول ويأخذ مثلا بإطلاق قوله تعالى :
« لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا » .
[ النحل ( 16 ) / 14 ] ويجعل ما ورد من الأدلّة في تحريم الحيتان وغيرها من الحيوانات البحريّة ، مخصّصة ومقيّدة لهذا الإطلاق . وكذلك لا يجوز أن يأخذ باطلاق قوله تعالى :
« جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً » .
[ النحل ( 16 ) / 72 ] ويقول : إنّ قوله تعالى :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ » .
[ النساء ( 4 ) / 23 ] ورد تخصيصا وتقييدا له . وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثير ، حتّى أنّ المسلّم عند فقهاء أهل