تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
كان ما ارتكبه حراما فلا يجوز أن يقال إنّه صار حلالا بجهة ما جنى الكفّار من المعاصي ، وإن كان حلالا فلا معنى بمقايسة عمل المجاهدين المدافعين عن دين اللّه بعمل الكفّار . فالآية الكريمة في بيان تشريع الحكم وهي الحرمة في الشهر الحرام ، ولم يثبت بعد أنّ عبد اللّه بن جحش ارتكب في الشهر الحرام . قوله تعالى :
« قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ » .
الظاهر أنّ قوله :
« الْمَسْجِدِ الْحَرامِ »
، عطف على الشهر الحرام فإنّ المسجد الحرام من الحرم ومن أفضل الحرم فلا يجوز القتال فيه كما تقدّم البحث في آيات القتال إلّا أن يبتدئ المشركون بالقتال فيه فيقاتلون ويقتلون . قوله تعالى :
« وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ »
. كائنا من كان ، ومن أظهر مصاديقه إخراجهم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين . وليست القضيّة شخصية تعريضا للكفّار الّذين أخرجوا الرّسول صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين فقط . قوله تعالى :
« أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ » .
أي أكبر المعاصي . ولا يلزم منه أنّه أكبر من كلّ معصية . قال في الكشّاف 1 / 259 : يعنى وكبائر قريش من صدّهم عن سبيل اللّه وعن المسجد الحرام وكفرهم باللّه ، وإخراج أهل المسجد الحرام وهم رسول اللّه والمؤمنون
« أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ »
ممّا فعلته السريّة من القتال في الشّهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظنّ . أقول : قياس شرك قريش وفتنتهم ، بقتل ابن الحضرميّ ليس بصحيح ، فإنّ ابن الحضرميّ قتله المؤمنون ، فوقع القتل من أهله في محلّه . ولو كان القتل عصيانا لا في سبيل اللّه لم يكن ارتكاب الشرك من مشركي قريش عذرا لعبد اللّه بن جحش في قتله ابن الحضرميّ . قوله تعالى :
« وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » .
الفتنة : الشرك كما قيل أو مطلق فتن النّاس بكلّ وسيلة في دينهم وسوقهم إلى الكفر كما ارتكبه كفّار قريش بأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حيث ألجؤوهم إلى الهجرة إلى الحبشة وإلى الحصار في الشعب وضيّقوا الأمر عليهم غاية الضيق فهذا أكبر من القتل فإنّ الفتنة مبارزة