تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
قوله تعالى :
« فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ » .
حيث إنّ اللّه سبحانه لا يضيع لديه أجر المحسنين ولا يضيّع إيمان المؤمنين وله تعالى عنايات خاصّة للّذين وفوا بعهده وتمسّكوا بكتابه فهداهم لما اختلفوا فيه من الحقّ والكتاب . وهكذا سنّته المقدّسة فلا يخذل أولياءه وعباده الصالحين بأيدي الشياطين وأوليائهم الّذين أظلموا بمعاداة الإسلام وقد وعد وعدا حقا وقال :
« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » .
[ البقرة ( 2 ) / 257 ] ولا تضرّهم اختلافات المبدعين وظلمات أفكار المتهوّسين بإذنه وتأييده وتسديده . قوله تعالى :
« وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » .
( 213 ) أي صراط اللّه الّذي أنعم به على أوليائه غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين . وأنت بعدما أحكمت ما تلونا عليك من تفسير الآية تعرف أنّ الآية الكريمة في مقام بيان سنّته تعالى الجارية في الخلق ببعث النبيّين في أمّة أميّة ليزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة ، وفي مقام بيان ما تعامل الناس مع الكتاب والهدى بعد ما جاءهم الهدى والبيّنات سواء كان بعث الأنبياء تفضّلا منه تعالى أو واجبا عليه تعالى لطفا أو واجبا بالمعنى الذي عند الحكماء ، فالآية ساكتة عن جميع الفروض الّتي في المقام وحملها على إحدى الفروض المذكورة تطبيق لا تفسير . على أنّا قد ذكرنا أنّ الموجب والسبب لبعث الأنبياء والرّسل ليس هو اختلاف الناس بل بعث الأنبياء إنّما هو لوضع التكاليف والعبادات وسوقهم إلى المعاد وتربيتهم وتزكيتهم وإيصالهم وهدايتهم إلى أعلى مدارج الكمالات ، وأن يستأهلهم لقرب الحقّ تعالى ، وليحكموا بينهم لو اختلفوا في الحقائق ، وليضعوا قوانين عامّة كي يرجعوا إليها عند التّخاصم والتّنازع .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 214 ]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 )