والكتب المنزّلة من عند اللّه سبحانه وخاصّة القرآن الكريم ما تركت لذي مقال مقالا ومجالا في أصول الاختلافات الناشئة بين فضلاء البشر في المباحث المتنوّعة الراجعة إلى المبدأ والمعاد وغيرهما من مهامّ المسائل . وفي القرآن الكريم تعرّض وعناية بالقضاوة الحقّة بين اليهود وبين النصارى فيما اختلفوا وأبدعوا وكتموا وغيّروا . قال تعالى :
« إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » .
[ النمل ( 27 ) / 76 ]
وكم حكم بينهم فيما اختلفوا ؟ وكم أظهر من الحقّ المبين الّذي كتموه ؟
فالقرآن حكم بإبطال التثليث في دين النصارى وقضى بإبطال اتّخاذ الولد .
« لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ » .
[ المائدة ( 5 ) / 73 ]
و
« ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » .
[ مريم ( 19 ) / 35 ]
وحكم على اليهود بإبطال الإيجاب على اللّه تعالى وقولهم بأنّ اللّه قد فرغ من الأمر . قال تعالى :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » .
[ المائدة ( 5 ) / 64 ]
وخلاصة القول أنّه المهيمن الناظر ، والقاضي الحاكم على جميع الكتب وعلى جميع العلوم والحقائق . والأسف أنّ القرآن الكريم قد ابتلى بما ابتلت به الكتب السالفة ، وقد استغنوا عنه في أحكامه بالقياسات والاستحسانات ، وأوجدوا الاختلافات في ضروريّات معارفه مثل المعاد الجسماني والجنّة والنّار ونعيمها وعقابها وعقاربها ، وأوّلوها بهوسات أفكارهم ، ولعبوا بحقائقه وعلومه ، وقالوا بالتوحيد الأفعالي ونسبة الجنايات البشريّة والقبائح إلى اللّه تعالى . سبحان اللّه عما يصفون . وقالوا بوحدة الوجود وأنّه لا بدّ في التوحيد من التشبيه والتنزيه .
وكفى باللّه حكيما وخصيما .