هذه الحكومة المطلقة إنّما هي للقرآن المبين وسائر الكتب المنزّلة من عند اللّه سبحانه بالحقّ ، أي جامعا ومشتملا للحقّ . والمراد من هذه الحكومة المطلقة هي المرجعيّة التامّة المطلقة وكونها قاضية فاصلة وحكما عدلا محقّا فيما اختلفوا فيه ، أي : عند بروز الاختلاف أيّ اختلاف كان بين العلماء في الأبحاث العلميّة والآراء والنظرات الدينيّة والاجتماعيّة والحقوقيّة على النحو الكلّي في تشخيص الحقّ ومن له الحقّ ومن عليه الحقّ ، أو في الجزئيّات عند تزاحم الناس في الموارد الجزئيّة ، إلّا أنّ استعمال كلمة « الاختلاف » في الموارد الجزئية الخارجيّة عند بروز التشاجر والتنازع في أمر الحياة لا يخلو من إبهام وخفاء ، فإنّه يستعمل في هذه الموارد التشاجر والتنازع والتخاصم ، فتقدير الاختلاف قبل البعث زمانا أو رتبة وجعله غاية للبعث وتفسيره بمعنى التنازع في أمر الحياة لا شاهد له بحسب اللّغة والاستعمال . والموارد المستعل فيها لفظ الاختلاف بحسب الأغلب هو الاختلاف في العقائد والآراء . فالمراد من الاختلاف في الآية المبحوث عنها ليس هو التنازع والتشاجر في أمر الحياة قال تعالى :
« أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
. . .
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » .
[ الزمر ( 39 ) / 3 و 46 ]
و
« فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » .
[ النساء ( 4 ) / 65 ]
قوله تعالى :
« وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ » .
قد تعرّض اللّه سبحانه إلى تحديد الاختلاف والمختلفين وتشخيصهم وبيّن أنّهم حملة الكتاب الّذين قد عطفوا الكتاب على أغراضهم وحملوه على آرائهم ، واستغنوا عن الكتاب فيما صرّح على خلافهم ، ونبذوه وراء ظهورهم بغيا وعدوانا وهوسا .