تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
بيان : الغرض المسوق له الكلام ليس توطئة وتمهيدا وتشريحا لموقعيّة النبوّة العامّة في المجتمعات البشرية وأنّه لا بدّ من تأمين سعادة البشر ببعث الرسل وتنظيم القوانين كي يكون رافعا للاختلاف الحاصل بينهم من ناحية التزاحم في أمر الحياة ، أو يكون مانعا من بروز الاختلاف فيهم . قال في الميزان 2 / 115 : الآية تبيّن السبب في تشريع أصل الدّين وتكليف النوع الإنسانيّ به ، وسبب وقوع الاختلاف فيه ببيان أنّ الإنسان - وهو نوع مفطور على الاجتماع والتعاون - كان في أوّل اجتماعه أمّة واحدة ، ثمّ ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيويّة ، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة والمشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدّين ، وشفّعت بالتبشير والإنذار بالثواب والعقاب ، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيّين وإرسال المرسلين . أقول : الآية الكريمة في بيان ما جرت سنّة اللّه المقدّسة في هداية الناس والتفضّل عليهم وعدم الإهمال في تزكيتهم وتعليمهم . وتفيد أنّ أبناء الأمّة المذكورة كانوا على فترة وهجعة وخمود ، لا يعرفون الحقّ ولا يعاندونه ، ولا يعرفون الدّين ولا يختلفون فيه ، بل هي على ما كانت عليه من البساطة والسذاجة لولا هداية هاد وإرشاد مذكّر لما يهتدون إلى الحقّ ولا ينتفعون بما فيهم من نور الفطرة ، ولا يستضيئون بما أودع اللّه في ذواتهم من شعاع العقل فيحتاجون أشدّ الاحتياج إلى التعليم والتربية لئلّا تبطل وتضيع هداية الفطرة والشعور البسيط في ذواتهم ، فبدأ اللّه بتعليمهم وبعث فيهم النبيّين مبشّرين ومنذرين ، وواتر إليهم رسله وحججه ليستأدوهم ميثاق فطرته ، الفطرة الّتي فطر اللّه النّاس عليها لا تبديل لخلق اللّه ، وليذكّروهم منسيّ نعمته الّذي أنساهم ابتلاءهم بتقليد الآباء والفراعنة والجبابرة ، والمتغلّبين ، والمعاندين المتهوّسين . فلا تدلّ الآية الكريمة إلّا أنّ الأنبياء والرّسل وردوا عند أوّل ما وردوا على الناسين للفطرة والفاقدين لها ، لإثارة العلم والهدى وشرعوا فيهم بالتعليم والتزكية والتربية .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 173 | محمد باقر الملكي الميانجي