والعبادة إمّا ذاتيّة لبعض الأفعال مثل الفرائض العقليّة والسنن والفضائل العقليّة غير المجعولة ، المعلوم وجوبها أو حسنها ، فالإتيان بها عين العبادة ، مثلا الإيمان باللّه أشرف الفرائض وأسناها ، فالقيام به والإذعان بحقّانيّة الحقّ القيّوم فريضة حتميّة ولا جعل له ولا تشريع ولا يعلّل بشيء ، وضدّه الإنكار وهو من أكبر المحرّمات ولا جعل ولا تشريع فيه أيضا . وهذا باب واسع تنفتح منه أبواب كثيرة وتنفتح منه أبواب الفقه الأكبر الّذي هو العلم بالفضائل والرذائل وأمّهات المسائل الأخلاقيّة وكيفيّة تعامل الخلق مع خالقه .
فتحصّل أنّ من الأفعال ما هو عبادة بنفسه وذاته الّتي لا يعقل تفكيك العبادة عند السجدة والثناء على اللّه والإقرار به ، وتمجيده وتنزيهه عن كلّ ما وصفه الواصفون ، وخلع الأنداد والأضداد عنه سبحانه ، لأنّ العبادة هي الخضوع والتذلّل فمفهوم العبادة من أوضح المفاهيم . وما يقال في توضيحه وتشريحه فإنّما هو من باب شرح حقيقته وإلّا فنفس العبادة أوضح من مفهوم الخضوع .
ومن الأفعال ما تكون عبادة بقصد أمرها مثل الزكاة والوضوء وغيرهما من الأفعال الّتي أمر اللّه تعالى الناس بإتيانها .
إذا تقرّر ذلك فنقول : إنّ السؤال والطلب من الفقير بالذّات ، وكذا الاستغاثة والاستجارة من الفقير بالغنيّ بالذّات مع الإقرار والإذعان لشؤون مولويّته سبحانه ، ومع الإقرار بشؤون العبوديّة وأنّه مركوز في مقرّ الذلّة ، ومقيم في واقع المسكنة ، وليس نافعا لنفسه ولا دافعا عنها ، من أظهر مصاديق التذلّل والعبادة .
وهذا الّذي ذكرناه يضادّ الاستكبار بالحقيقة ، ومنه يظهر أنّ الاستنكاف عن الدّعاء خروج عن مقرّ الذّلة ، وإنكار للعبوديّة واستكبار في قبال ذي الجلال والكبرياء .
قوله تعالى :
« فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي » .
أي يجب عليهم أن يجعلوا يريد اللّه منهم من الإيمان والإقرار بإلهيّته ووحدانيّته في إلهيّته .
قوله تعالى :
« لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ » .
( 186 )
« لعلّ » منه تعالى توقّع وترجّ ، فعلى هذا يجب على العباد الإتيان بما يتوقّعه