تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
بيان : تكلّف في المنار 1 / 166 ، أن يعلّل نزول الآية الكريمة بأمر شخصيّ خارجيّ وقضيّة وواقعة جرت في عصر النزول ولم يشعر أنّ الدّعاء من أهمّ سنن اللّه تعالى بلحاظ التشريع ومن نفائس المعارف القرآنيّة ومن أعظم أبواب التوحيد . وأصرّ هو والبيضاوي في تفسيره 1 / 102 ، في بيان كيفيّة ارتباط الآية الشريفة بآيات الصوم ولكنّهما لم يأتيا بشيء يعتنى به في تفسير الآية . فالظاهر أنّ الآية لها شأن مستقلّ وليس هنا سؤال شخصيّ كي تكون الآية جوابا له وتنزل لأجله ، بل المستفاد منها أنّ اللّه سبحانه عرّف نفسه لعباده بالعطف والحنان ، والتحبّب والرأفة ؛ وهي دعوة إلى نفسه سبحانه ، وهو جلّ ثناؤه ملاذ كلّ مضطرّ عند كلّ مشكلة وموضع إجابة لكلّ محتاج ، ومغيث لإغاثة كلّ ملهوف ، وملجأ كلّ بائس عند أيّ نازلة . فهذه الآية الكريمة بهذا الخطاب اللطيف الّذي يتودّد به اللّه سبحانه إلى عباده ، فرجة لقلوب المستأنسين ، وتسلية لفزع نفوس الخاضعين ، ورجاء وراحة وسكون وطمأنينة في صدور المؤمنين ، وتعريف منه سبحانه لرحمته وبرّه للمذنبين الخاطئين ، ووعد صدق بإكرام عباده بإجابة كلّ دعوة ، وإنجاح كلّ مسألة . قد تحبّب تعالى إليهم مع غناه سبحانه عن جميع ما سواه وافتقار الجميع إليه تعالى ، وأن لا مسافة بينه وبين خلقه ولا حجاب ولا بوّاب ولا مترجم ، فسبحانه من إله ما أكرمه فله الحمد كما هو أهله . قوله تعالى :
« وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ » .
قد أكرم اللّه تعالى عباده بهذه الإضافة غاية الإكرام وشرّفهم غاية التشريف ، فإنّ العبد هو الإنسان المطيع المتذلّل لسيّده وآمره بلحاظ التشريع ، فالعبد كما يطلق على المملوك بالاعتبار كالإنسان الرقيق كذلك يطلق على المملوك بالحقيقة وبالذّات بعناية خضوعه وانقهاره لمالكه الذّاتي ، فهذه المواعدة الصادقة والمعاملة الجميلة إنّما هي بين اللّه والموحّدين ولا تشمل غيرهم . وقوله تعالى :
« عَنِّي »
الظاهر أنّ السؤال عن نعوته وشؤونه بقرينة قوله تعالى :
« فَإِنِّي قَرِيبٌ »
لا بمسافة ولا بمداناة ، في الجواب . قوله تعالى :
« أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ » .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 125 | محمد باقر الملكي الميانجي