تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » ،
على إنزال حقيقة الكتاب ، والكتاب المبين إلى قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله دفعة كما أنزل القرآن المفصّل على قلبه تدريجا في مدّة الدّعوة النبويّة . . . فهذا ما يهدي إليه التدبّر وتدلّ عليه الآيات ، نعم أرباب الحديث ، والغالب من المتكلّمين والحسيّين من باحثي هذا العصر لمّا أنكروا أصالة ما وراء المادّة المحسوسة ، اضطرّوا إلى حمل هذه الآيات . . . على الاستعارة والمجاز فعاد بذلك القرآن شعرا منثورا . أقول : خلاصة ما قاله : إنّ القرآن في مرتبة تجرّده عن كسوة الموادّ والألفاظ ، لا تفرّق ولا تبعّض ولا تفصيل فيه ؛ وهو الّذي ورد على قلب الرسول صلّى اللّه عليه وآله دفعة فعلم به حقيقة القرآن ثمّ بعد تنزّله إلى عالم الألفاظ برز بصورة الألفاظ والحروف . فالنزول الدفعيّ في شهر رمضان ، في ليلة القدر هو نزول حقيقة الكتاب ، والكتاب المبين إلى قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . والنزول التدريجيّ هو نزوله نجوما وتدريجا من بدء بعثته صلّى اللّه عليه وآله إلى حين دعوته . وهذا الّذي ذكره تفسير بالرأي لا شاهد عليه ، فإنّ القرآن قبل تلبّسه بكسوة الألفاظ لا يسمّى قرآنا ولا فرقانا ولا كتابا ولا كلاما . وما ذكره من أنّ لفظ « الإنزال » يدلّ على النزول الدّفعي لا شاهد يدلّ عليه ، لا من المادّة ولا من الهيئة ، بل استعمال الإنزال في موارد التدريج غير عزيز في القرآن الكريم . قال تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا » .
[ الأنعام ( 6 ) / 114 ] و
« وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا » .
[ البقرة ( 2 ) / 170 ] و
« لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » .
[ الحشر ( 59 ) / 21 ] و
« وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ » .
[ البقرة ( 2 ) / 99 ] فاستعمال الإنزال في مرتبة التدريج والنجوم كثير واكتفينا بما ذكرنا من الآيات . فيجب على الباحث الخبير ، التأمّل والفحص والتدبّر فيها .