يتفصّل فيه جزء ولا يتميّز بعض من بعض لرجوعه إلى معنى واحد لا أجزاء ولا فصول فيه . والآية ناطقة بأنّ هذا التفصيل المشاهد في القرآن إنّما طرأ عليه بعد كونه محكما غير مفصّل .
وأوضح منه قوله تعالى . . .
« وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
- إلى أن قال -
« بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ » .
[ يونس ( 10 ) / 37 و 39 ] فإنّ الآيات الشريفة وخاصّة ما في سورة يونس ظاهرة الدلالة على أنّ التفصيل أمر طارئ على الكتاب فنفس الكتاب شيء والتفصيل الّذي يعرضه شيء آخر .
وأوضح منه قوله تعالى :
« حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » .
[ الزخرف ( 43 ) / 1 - 4 ] ، فإنّه ظاهر في أنّ هناك كتابا مبينا عرض عليه جعله مقروءا عربيّا وإنّما ألبس لباس القراءة والعربيّة ليعقله الناس وإلّا فإنّه - وهو في أمّ الكتاب - عند اللّه ، عليّ لا تصعد إليه العقول ، حكيم لا يوجد فيه فصل وفصل . وفي الآية تعريف للكتاب المبين ، وأنّه أصل القرآن العربيّ المبين . وفي هذا المساق أيضا قوله تعالى :
« . . . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » .
[ الواقعة ( 56 ) / 77 - 80 ] فإنّه ظاهر في أنّ للقرآن موقعا هو في الكتاب المكنون لا يمسّه هناك أحد إلّا المطهّرون من عباد اللّه وأنّ التنزيل بعده ، وأمّا قبل التنزيل فله موقع في كتاب مكنون عن الأغيار ؛ وهو الّذي عبّر عنه في سورة الزخرف بأم الكتاب وفي سورة البروج باللّوح المحفوظ . . .
ثمّ إنّ هذا المعنى أعني كون القرآن في مرتبة التنزيل بالنسبة إلى الكتاب المبين - ونحن نسمّيه بحقيقة الكتاب - بمنزلة اللّباس من المتلبّس ، وبمنزلة المثال من الحقيقة ، وبمنزلة المثل من الغرض المقصود بالكلام ؛ وهو المصحّح لأن يطلق القرآن أحيانا على أصل الكتاب . . . وهذا الّذي ذكرناه هو الموجب لأن يحمل قوله :
« شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ »
وقوله
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ » ،
وقوله :