المفسّرين إلى هذا ليس إلّا أنّهم لمّا رأوا أنّ الصّلاة والصوم من الفرائض الضروريّة في الإسلام وقد قال اللّه في بيان تشريعهما :
« فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً » .
[ النساء ( 4 ) / 103 ] و
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ » ،
فقالوا : معنى الكتابة هو الفرض . ولو تأمّلوا حقّه ليعرفوا أنّ معناها مطلق الثبوت أو الثبوت المخصوص ، واستعمل في الموارد المذكورة إمّا بالتقييد والتخصيص أو بالعناية والمجاز . نعم يعطي التدبّر في هذه الآيات الثلاث الواردة في تشريع الصوم ، أنّ
« كُتِبَ »
فرض . ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى :
« فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » ،
الظاهر في وجوب القضاء . وقوله تعالى :
« وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ . . . » ،
الظاهر في إيجاب الفدية والبدل .
والصوم في اللّغة الإمساك والرّكود والقيام من دون عمل .
قال في لسان العرب 12 / 351 : الصوم في اللّغة الإمساك عن الشيء ، والترك له . . . قال الخليل : والصّوم قيام بلا عمل . قال أبو عبيدة : كلّ ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم . . . وصامت الرّيح : ركدت . والصّوم : ركود الرّيح .
وحيث قد ثبت في محلّه بطلان حقيقة الشرعيّة والمتشرّعة في ألفاظ العبادات والمعاملات فلا بدّ للفقيه من حمل الألفاظ العربيّة على معانيها اللّغويّة خصوصا في ألفاظ المعاملات لثبوتها بمعانيها اللّغويّة في الشرائع السابقة بقيود قيّدت بها . وفي هذه الشريعة أيضا المراد والمقصود منها هي المعاني اللّغويّة . فالفقيه يأخذ بالمفهوم العامّ أو المطلق ويأخذ بالحدود والشرائط المعتبرة المقرّرة فيها وجوبا واستحبابا عن أدلّة أخرى فتعيّن المأمور به والمنهيّ عنه عنده بتعدّد الدالّ والمدلول . وهذا ليس خروجا عن المعنى اللّغويّ كي يكون اصطلاحا شرعيّا في مقابل اللّغة .
قوله تعالى :
« كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ » .
[ آيات تشريع الصّوم ]
قد صرّح بعض المفسّرين بأنّ التوراة والإنجيل الدائرين عند اليهود والنصارى ليس فيهما حكم الصوم وإيجابه بعنوان الفريضة من اللّه تعالى . وذكر جملة من صيام الوثنيّين والهنود واليونانيّين وقدماء المصريّين وغايته الإصرار