تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠

عدل ملوك العجم

يقال إنه كان من عادة ملوك العجم ، أن يجلس الملك منهم لعامة الناس يومي « المهرجان » « 2 » و « النيروز » « 3 » لا يمنع من ذلك أحد . وكان يأمر ، مناديا ينادي في الناس قبل أيام من حلول كل من اليومين المذكورين ليعدوا أنفسهم له ، كي يتمكن كل شخص من أن يهيئ أمره ويكتب شكواه بنفسه ، يشرح فيها حاله ويعرض حاجته ، ويسلّمها بيده هو ، وكي يتدبر الخصوم أمرهم أيضا . وفي اليوم الموعود ينادي المنادي خارج القصر : « إن الملك بريء من دم كل من يمنع أحدا من عرض حاجته في هذا اليوم » . ثم يجمع الملك شكاوى الناس جميعها ويضعها أمامه ، وينظر فيها واحدة تلو أخرى . فإذا ما كان بينها واحدة ضد الملك نفسه ، ينزل عن سريره ، ثم يجثو على ركبته أمام موبذ الموبذين - أي قاضي القضاة بلغتهم - الذي كان يجلس من عن يمينه عادة ، ويقول له : « أنصف هذا الرجل مني دون ميل أو محاباة قبل أن تنظر في أية قضية أخرى » . وحينئذ يأمر المنادي بأن ينادي : « على من لهم شكاية ضد الملك أن ينتظموا صفا واحدا ، للفصل في قضاياهم أولا » . ثم يقول الملك للموبذ : « ليس ثمة ذنب أعظم من ذنوب الملوك عند اللّه تعالى . إن معرفة حق نعمة اللّه على الملوك إنما تكون في المحافظة على الرعية وإنصافها ، وكفّ أيدي الظالمين عنها . وإذا ما جار الملك وظلم فسيضحى الجيش كله ظالمين ينسون اللّه تعالى ، ويكفرون النعمة ، فيصبّ اللّه عليهم غضبه وخذلانه . ولن يمضي طويل وقت على اضطراب الملك وخرابه ، فيقتل الكثيرون لفساد المجرمين وعبثهم ، ويتحول الملك من أسرة لأخرى . والآن أيها الموبذ ، اتق اللّه ، وإياك أن تؤثرني على نفسك ، لأنني سأسألك عن كل شيء يسألني اللّه تعالى عنه يوم القيامة ، وألقي بتبعته عليك » . ويشرع الموبذ ينظر في القضايا ، فإذا ما ثبت لأحد على الملك حق أنصفه إنصافا تاما ، وإذا ما اتضح بطلان دعوى آخر ضده ولم تكن لديه حجة دامغة أنزل به أقصى العقوبات ، وأمر مناديا ينادي : هذا جزاء من يترصّد العيوب على الملك والمملكة ، ويفتري عليهما الكذب بهذه الجسارة والجرأة » . وبعد انتهاء الحكومة ، كان الملك يعود إلى سريره ، ويضع التاج ، ثم يلتفت نحو رجاله وكبار
هامش
( 2 ) المهرجان معرب « مهرگان » ، وهو اليوم السادس عشر من كل شهر ، واسم الشهر السابع من السنة الشمسية أي أول فصل الخريف . ( 3 ) النيروز : معرّب « نوروز » ، وهو اليوم الأول من أيام الربيع ، ورأس السنة الإيرانية . وهو يوافق اليوم الحادي والعشرين من آذار ( مارس ) من السنة الميلادية ، أي « عيد الأم » .