فهبّوا جميعا ، وأخذوا يستدعون الخصوم بأمثل وجه ، ويذهبون إلى منازلهم ويسترضونهم بالأعذار والأموال ، ثم يأخذون على كل واحد منهم إقرارا بخط يده بأن فلانا رضي عن فلان وليس ثمة بينهما خصومة أو نزاع .
بهذه السياسة التي سنّها أنوشروان بالحق ، استقامت شؤون مملكته كلها ، وضرب على أيدي المتطاولين واللّصوص ، وارتاح الناس أجمعين ، حتى أن سبع سنوات مرت دون أن يؤم أحد القصر متظلما .
أنوشروان وسلسلة العدالة
في ظهيرة أحد الأيام بعد سبع سنوات ، وفي الوقت الذي ذهب فيه الجميع ونام الخفر ، ارتفع صوت الأجراس ، فسمعه أنوشروان الذي أرسل خادمين فورا ، وقال لهما : « انظرا من ذا الذي جاء يتظلم » . فلما وصلا إلى مدخل القصر إذا بحمار هرم ضعيف أجرب قد مرّ من هناك ، وحكّ ظهره بالسلسلة ، فارتفع صوت الأجراس . وعاد الخادمان ، وقالا : « لم يأت أحد متظلما ، غير أن حمارا ضعيفا هرما أجرب مرّ بمدخل القصر ، ولما لامس ظهره السلسلة راقه ذلك ، فأخذ لجربه يحكه بها .
فقال أنوشروان : « أيها الأحمقان ، ما أجهلكما ! ليس الأمر فيما تظنان ، إن تمعنا النظر يتضح لكما أن هذا الحمار ، أيضا ، جاء يطلب عدلا . أريدكما أن تسوقاه إلى وسط المدينة الآن ، وتسألا الناس عن أمره ، ثم تعودا إليّ بالحقيقة » .
فانصرف الخادمان ، وذهبا بالحمار إلى السوق في وسط المدينة ، وطفقا يسألان الناس : « أفيكم من يعرف هذا الحمار ؟ » فكان جوابهم جميعا : « أي واللّه ، قلة هم الذين لا يعرفونه » . قال الخادمان : « ما تعرفون عنه ؟ قولوا » . فقالوا : « إن صاحبه فلان الغسّال ، ومنذ حوالي عشرين سنة ، ونحن نراه ينقل عليه ملابس الناس إلى مغسله يوميا ، ويعود بها مساء . كان يعلفه في صغره إلى الوقت الذي كان يؤدي فيه عمله ، لكنه بعد أن هرم وعجز عن العمل أطلقه على رأسه وطرده من بيته فيما تريان ؛ والآن تمر سنة على طرده وتجوله في « الحارات » و « الأزقة » والأسواق ، والناس يقدمون له العلف والماء والعشب ابتغاء ثواب اللّه تعالى . ويقال إنه هام على وجهه منذ يومين لأنه لم يجد علفا وماء » .
ولما كانت أقوال الناس واحدة ، عاد الخادمان بسرعة ، وأخبرا الملك أنوشروان ، فقال : « ألم أقل لكما إن هذا الحمار جاء يطلب عدلا أيضا ؟ اعتنيا به الليلة جيدا ، وعليّ بالغسّال وأربعة من كبار « محلته » والحمار غدا لأقضي بالعقاب المناسب » .