تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
ويشربون مع محمود الليلة بكاملها . ومع إشراقة الصباح ، أصيب علي بدوار ، وبدا عليه أثر إرهاق السهر ، والإفراط في الشراب ، فاستأذن السلطان بالذهاب إلى منزله . فقال له محمود : « ليس صوابا أن تذهب في وضح النهار ، وأنت سكران هكذا . ابق هنا ، واسترح في إحدى الحجرات حتى العصر ، ثم اذهب آنذاك ، وأنت صاح ، فإنني أخشى ، إذا ما ذهبت الآن بهذه الحال ، أن يراك المحتسب في السوق ، فيأخذك ويقيم عليك الحد ، فيراق ماء وجهك ، وينتابني الغم دون أن أستطيع التّفوه بشيء » . غير أن علي بن نوشتكين الذي كان قائدا لخمسين ألف فارس ، وصنديد زمانه والذي كان يعد بألف رجل ، لم يخطر له على بال أن المحتسب سيجرؤ حتى على مجرد التفكير في الأمر . فلم ينثن عن عزمه ، بل أصرّ على أن « لا بدّ من الذهاب » . فقال محمود : « الرأي رأيك . دعوه يذهب » . وركب علي بن نوشتكين في موكب عظيم من فرسانه وغلمانه وخدمه قاصدا منزله . وشاءت المصادفة أن يكون المحتسب مع مائة من رجاله بين خيّال وراجل في وسط السوق . فلما رأى عليا سكران ، أمر بإنزاله عن فرسه ، ونزل هو أيضا . ثم أمر بأن يجلس رجل على رأسه ، وآخر على رجليه ، وجلده بيده ، دون أدنى محاباة ، أربعين جلدة حتى التهم الأرض بأسنانه ، وحاشيته وعسكره ينظرون دون أن يجرؤ أي منهم على أن يتفوه بكلمة واحدة . كان ذلك المحتسب تركيا عجوزا محترما ، وكان له حقوق خدمات كثيرة . فلما مضى لشأنه ، نقل عليا رجاله إلى بيته ، وهو يردد في طول الطريق : « كل من لا يطيع أمر السلطان ، سيلقى ما لقيت » . ولما مثل علي بين يدي السلطان في اليوم التالي ، وسأله : « وما ذا عن المحتسب ؟ » كشف عن ظهره وأرى محمودا آثار الجلدات عليه واحدة واحدة . فضحك محمود ، وقال : « لتتب ، إلى الأبد ، أن تخرج من البيت وأنت سكران » . وبما أنه أحكم أساس الملك وقواعد السياسة ، فقد كان العدل يطبق على النحو الذي ذكر .

خبّاز غزنين « 12 »

سمعت أن الخبازين في « غزنين » أغلقوا أبواب مخابزهم ، فعز الخبز ، وأسقط في يد الفقراء والغرباء ، فذهبوا إلى القصر يتظلمون ، وأخذوا يشكون الخبازين بحسرة أمام السلطان إبراهيم « 13 » .
هامش
( 12 ) هذا هو اسمها الصحيح عند العلماء ، فيما يقول ياقوت الحموي ، وهي عند العامة « غزنة » . كانت مدينة عظيمة وولاية واسعة في طرف خراسان ، وحدّا بينها وبين الهند . ظلت مقام بني السلطان محمود الغزنوي إلى أن انقرضوا ( معجم البلدان ) . ( 13 ) هو ظهير الدولة ، السلطان إبراهيم بن مسعود الغزنوي ( 451 - 492 ه ) . ( عباس إقبال : حاشية 2 ص 53 ) .