ليعلم أن الملك ينبغي أن يتولى القضاء بنفسه ، وأن يسمع حجج الخصوم بأذنيه هو . فإن يكن تركيا أو فارسيا ، أو ممن لا يعرفون العربية ولم يقرأ أحكام الشريعة ، فهو في حاجة إلى نائب يتولى الأمر عنه . والقضاة كلهم نواب للملك الذي يجب عليه أن يشد أزرهم ويسندهم ، ويحفظ لهم حرماتهم ومنازلهم كاملة ، فهم نوابه الذين ينفذون دستوره ، ووكلاؤه الذين يصرّفون أعماله .
« الخطباء »
كذلك ، يجب اختبار « 8 » الخطباء الذي يصلّون بالناس في المساجد الجامعة ، للتأكد من تقواهم ، وحفظهم القرآن . فالصلاة من الأمور الدقيقة ، وصلاة الناس مرهونة بالإمام ، فإذا ما اختلت صلاته ، اختلت صلاتهم أيضا .
« المحتسبون »
ويجب ، كذلك ، تعيين محتسب في كل مدينة ، تكون مهمته مراقبة الأوزان والأسعار ومعرفة المبيعات والمشتريات ، للسير بمقتضاها والتقيّد بها ، ومراقبة البضائع التي يؤتى بها من الأطراف لتباع في الأسواق من أن يغشوها أو يقسطوا فيها ، وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
إن من واجب الملك وولاته مؤازرة المحتسب والأخذ بيده ، فمهمته ركيزة من ركائز المملكة ، وهي نتيجة العدل في الوقت نفسه ، وإلا فسيضيق على الفقراء ، ويشتري التجار ومن يتعاطون البيع والشراء في الأسواق ويبيعون على هواهم ويقسطون في الميزان ، فيعمّ الفساد وتعطل أحكام الشريعة .
وقد جرت العادة دائما في إسناد هذا العمل إلى أحد خاصة الملك ، أو خدمه ، أو إلى تركي عجوز ممن لا يحابون أبدا وممن يهابهم الخاص والعام . هكذا كانت الأمور تصرّف بالعدل ، وقواعد الإسلام تطبق بإحكام ، فيما جاءت به القصص والحكايات .
علي بن نوشتكين والمحتسب
يقال إن السلطان محمودا « 9 » كان قد شرب الخمر مرة مع خاصته وندمانه طوال الليل ، وكذلك الصبوح . وكان علي بن نوشتكين « 10 » ، ومحمد العربي « 11 » ممن حضروا المجلس ، وممن ظلوا يسهرون
هامش
( 8 ) ترجمة « اختبار كند » ( بالباء ) ، وهو ما أثبته عباس إقبال ( ص 51 ) . لكن الدكتور شعار ( ص 63 ) ، ودارك ( ص 60 ) أثبتاها بالياء ، أي « اختيار كند » . وبعد أن عرضت الأمر على الدكتور يوسفي رجح ما أثبته المرحوم عباس إقبال .
( 9 ) أي السلطان محمود الغزنوي .
( 10 ) في تاريخ البيهقي : أبو علي بن نوشتكين ( الترجمة العربية ص 223 ) .
( 11 ) في تاريخ البيهقي : محمد الأعرابي ( ص 375 - 744 ) .