ثم أمر آنذاك بإقامة مشنقة عالية على باب قصره ، وثلاثين أخرى خلفها ، وكان راست روشن أول من علق عليها ، تماما مثلما علق ذلك الرجل - الذي تقدم خبره - كلبه ؛ ثم علّق أتباعه ومن دخلوا في بيعته . وأمر الملك مناديا ينادي لمدة سبعة أيام : « هذا جزاء من يحيق بالملك سوءا ، وينحاز إلى أعدائه ويوافقهم ، ويؤثر الخيانة على الأمانة ، ويظلم العباد ، ويتجرأ على اللّه ، وعلى أسياده » .
بعد هذا الجزاء الرادع ، خاف المفسدون الملك بهرام الذي عزل كل من عيّنهم راست روشن ، أو ولّاهم شغلا ، ولم يولّهم أي عمل بعد ، وأعاد كل من نحّاهم عن مراكزهم إليها وبدّل جميع الكتّاب وحكّام الولايات .
لما وصل الخبر إلى الملك الذي كان قد خرج على بهرام جور وتوجّه إليه ، عاد من حيث وصل نادما على فعلته . ثمّ أرسل الأموال والهدايا الثمينة إلى الملك بهرام ملتمسا العذر معلنا الطاعة ، وقال : « إن عصيان الملك لم يخطر لي ببال قط ، بل إن وزيركم هو الذي جعلني أسلك هذه الطريق لكثرة ما كان يكتب من رسائل ، ويرسل من رسل . وفي ظني أنه لم يكن سوى مجرم يبحث له عن ملجأ . وقبل الملك بهرام عذره ، وصرف النظر عن المسألة ، ثم قلد الوزارة رجلا حسن الاعتقاد ، يخشى اللّه .
فانتظمت شؤون الجيش والرعية . واستقامت الأعمال ، وصارت البلاد إلى العمران ، وتخلص الناس من الجور والظلم .
أما الرجل الذي علّق كلبه ، فكان الملك بهرام حين خرج من خيمته يريد العودة ، أخرج من كنانته سهما ألقاه أمامه وقال : « أكلت طعامك « 4 » ، وعرفت ما نزل بك من أذى وأصابك من ضرر ، فإن لك عليّ لحقّا . اعلم أنني أحد حجاب الملك بهرام جور ، وأنّ كل كبار رجال قصره وحجابه أصدقائي ، وهم يعرفونني جيدا . عليك أن تذهب إلى قصر الملك بهرام بهذا السهم ، فإن كل من سيراه معك سيأتي بك إليّ لكي أقضي لك بشيء يعوض عليك شيئا مما لحق بك من ضرر » . وعكف راجعا .
بعد أيام قالت زوج ذلك الرجل له : « انهض وامض إلى المدينة ، وخذ السهم معك فلا إخال ذلك الفارس بطلعته تلك إلا رجلا ثريا ووجيها ، حتى لو أعطاك شيئا قليلا ، فإنه كثير علينا في هذه الأيام . اذهب ولا تتوان ، فكلام الرجل لم يكن جزافا » . فنهض الرجل ومضى إلى المدينة ونام ليلته تلك ، ثم ذهب في صباح اليوم التالي إلى قصر الملك بهرام الذي كان أوصى حجاب قصره ومن فيه :
« إذا ما أمّ القصر رجل بأوصاف كذا وكذا ، ورأيتم سهمي بيده فأتوني به حالا » . لما رأى الحجّاب
هامش
( 4 ) ترجمة للاصطلاح الفارسي « نان ونمك تو خوردم » وهو المثل العربي العامي عينه : « أكلنا من عيشه وملحه » أو « ما لحناك » كما يقال في اللهجة الفلسطينية الأردنية خاصة .