تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
لقد خدع مرّتين : الأولى بأقوال مزدك ذي الاعتقاد السيئ والمذهب الخبيث وحيله ، والأخرى بيد العامل فلان والوالي فلان ، اللذين دمّرا الولاية ، بما فرضاه عليها من ضرائب باطلة أفقرت الرعية ، وضيّقت عليها الخناق . لقد خدعاه - لحبّه المال - ببدرة « 2 » ذهب أحضراها إليه ، ففرح بها كثيرا دون أن يفكّر بكثرتها ، أو يسأل الوالي مثلا : « أنت أمير تلك الولاية وواليها ، وقد أنفذت إليك مبالغ من المال رواتب ونفقات لك ولمن معك . أرى أنك غصبتهم أعطياتهم ، وإلّا فأنّى لك هذه الأموال التي أحضرتها إليّ ، وهذا النّعيم والثروة الطارئة التي لا عهد لك بها من قبل ؟ أو ليست هي الأموال التي استوليت عليها من الناس ظلما وعدوانا ؟ » . أو أن يقول للعامل : « إن أموال الولاية على أقسام : بعضها ما أنفقته في سبل الخير ، والآخر ما دفعت به إلى خزينة الدولة ، فمن أين لك هذه المبالغ التي أراها معك ؟ أليست الأموال التي أخذتها دون حق ؟ » . إن والدي نفسه لم يكن يتحرّى الأمور أو يدقق فيها كي يستقيم الآخرون في أعمالهم » . ومرّت ثلاث أو أربع سنين على حكم أنوشروان وأصحاب الإقطاعات والولاة والحكام ماضون في تجاوزهم وتماديهم ، وجموع المتظلّمين تفد على القصر تشكو وتصرخ وتتظلم . وذات يوم جلس أنوشروان العادل للمظالم ، فحضر جميع رجالات المملكة وأعيانها ، ثم استوى الملك على سريره ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : « اعلموا أن اللّه ، عزّ وجلّ ، هو الذي وهبني الملك أولا ، وأنني ورثته عن والدي ثانيا ، وأنّ عمي خرج عليّ ، فحاربته واسترجعت الملك منه بالسّيف أخيرا . ولما ملّكني اللّه الملك جعلت لكم فيه نصيبا ، فوليت كلا منكم ولاية ، ولم أغمط أحدا في هذه الدولة حقه ، بل كان لكلّ نصيب . وأبقيت الكبار والمعروفين ممن كانت لهم الولاية والمقامات الرفيعة في عهد والدي في مناصبهم ، ولم أبخسهم أرزاقهم وأشياءهم . لقد أوصيتكم ، وما أزال ، بالناس خيرا في المعاملة ، وحسن التصرّف ، وعدم تحصيل الأموال من ضرائب وخراج إلا بالحق . أحفظ لكم حرماتكم وأصونها ولا تصونون ، بل تعرضون عن كلامي ، لا تخشون اللّه ولا تستحون من العباد . إنني أخاف عقاب اللّه وعذابه ، وأخشى أن تكون عاقبة ظلمكم وبالا على عهدي . إن العالم صاف من الأعداء والمخالفين ، وأنتم في راحة وكفاف عيش . والانصراف إلى شكر اللّه وحمده على نعمه الّتي وهبنا جميعا ، هو البديل الوحيد الأفضل للظلم وكفران النعمة وجحودها ، فالظلم يقوّض الملك ، وكفران النعمة يمحقها .
هامش
( 2 ) البدرة : كيس فيه ألف أو عشرة آلاف . سميت ببدرة السخلة ( اللسان : بدر ) .