الفصل الخامس في المستقطعين والتحقّق من معاملتهم الرّعية
ليعلم المستقطعون « 1 » أن لا شأن لهم بالرعيّة سوى تحصيل الأموال المستحقة عليهم بالحسنى ، على أن يكونوا بعد ذلك آمنين على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم وضياعهم وما يملكون ، دون أن يكون لأصحاب الإقطاعات عليهم من سبيل أو أن يمنعوهم من الذهاب إلى القصر ، لبسط أحوالهم بأنفسهم إذا ما رغبوا في ذلك . أما من لا يلتزم بهذا أو يتقيد به ، فينبغي الضرب على يده ، ونزع إقطاعاته منه ، ومجازاته ، ليكون عبرة للآخرين .
على أصحاب الإقطاعات أن يعلموا ، أيضا ، أن الملك والرعية جميعا ، في حقيقة الأمر ، للسلطان وعليهم وعلى الولاة ، وهم رؤساء ومسؤولون ، أن يعاملوا الناس معاملة الملك للرعية ليحظوا بتأييده وقبوله ، ويسلموا من عقابه ، وينجوا من عذاب الآخرة .
حكاية الملك العادل أنوشروان
يقال إنه لما توفي قباذ الملك ، تولى ابنه أنوشروان العادل الملك من بعده ، وعمره ثماني عشرة سنة .
لقد كان العدل متأصلا فيه منذ نعومة أظفاره ، فكان يقابل الإساءة بالإساءة ، والإحسان بالإحسان .
وكان يقول : « إن والدي ضعيف رأيه ، طيب قلبه ، يخدع بسرعة . سلّم مقاليد المملكة لعمال وولاة يفعلون ما يشاءون ، فخربت البلاد ونفدت خزائنها التي نهبوا ما فيها من أموال . أما هو ، فلم يعلق به ويبق له سوى الظلم والسمعة السيئة » .
هامش
( 1 ) من استقطع فلان الإمام قطيعة فأقطعه إيّاها إذا سأله أن يقطعها له . والقطائع إنما تجوز في عفو البلاد التي لا ملك لأحد عليها ، ولا عمارة فيها لأحد ، فيقطع الإمام المستقطع منها قدرا يتهيأ له عمارته . والإقطاع يكون تمليكا ، وغير تمليك . قال الشافعي : ومن الإقطاع ، إقطاع إرفاق لا تمليك ( اللسان : قطع ) . والإقطاع الذي نحن بصدده في هذا الفصل من النوع الذي لا يكون تمليكا .