وأرسله إلى خزانته دون أن يدفع ثمنه . ترددت عليه مرات للسلام ، فلم يبد منه ما يدل على أنه يرغب في دفع ثمن العقد ؛ ونفد صبري ، وكنت على أبواب سفر ، فذهبت إليه يوما ، وقلت : إن يكن العقد مناسبا ، فأرجو الإيعاز بدفع ثمنه ، وإلا فبردّه فإنني عزمت على المسير . فلم يجبني . وعدت إلى داري فإذا ب « سرهنگ » « 2 » وأربعة جنود راجلين ، فقالوا لي : هيا بنا فالوزير يطلبك ؛ ففرحت وقلت :
سيدفع ثمن العقد . فنهضت وذهبت معهم ، لكنهم مضوا بي إلى سجن اللصوص ، وقالوا للسّجان :
اسجن هذا الرجل ، وكبّله بالأغلال الثقيلة . ومنذ سنة ونصف وأنا في السجن » .
وقال آخر : « أنا رئيس الناحية الفلانية . كان بيتي مفتوحا دائما في وجه الضّيوف والغرباء وأهل العلم ، وكنت أواسي الناس والمعوزين ، وأوزّع الصدقات والخيرات على المستحقين باستمرار أسوة بآبائي من قبل . وكنت أنفق ما يتأتى من أملاكي وضياعي الموروثة في سبل الخير والضيافة . قبض عليّ الوزير بحجة أنني عثرت على كنز ، فعذبني ، وصادر أموالي ، وأودعني السجن . وكنت أبيع ملكي وضياعي ، للضرورة ، بنصف ثمنها ، وأعطيه إياها ، وها هي ذي أربع سنوات تمر على سجني وتكبيلي بالقيود ، ولا ألوي على شيء » .
وقال آخر : « أنا ابن الزعيم فلان ، صادر الوزير أملاك أبي ، وقتله بشدة التعذيب ، ثم حبسني ، ومنذ سبع سنوات وأنا أعاني من عذاب السجن » .
وقال آخر : « أنا عسكري ، خدمت والد الملك سنوات عدّة ، ورافقته في عدد من أسفاره ، وكنت وما أزال في خدمة الملك منذ سنوات وأتقاضى راتبي من الديوان . غير أن شيئا منه لم يصل إليّ السنة الماضية . قابلت الوزير هذا العام ، وقلت له : إنني صاحب عيال ، لم يصل إليّ راتبي في العام المنصرم ، فادفعوه هذه السنة لأسدّد ببعضه ما عليّ من ديون ، وأعيش بالباقي . فقال : « ليس في نية الملك أن يحارب أحدا ، كي تكون له في الجيش حاجة ؛ لذا إنّ وجودك ووجود أمثالك وعدمه في الخدمة سواء ؛ إن أردت أن تكسب عيشك ، فعليك بالطيانة » . قلت : لن أشتغل بالطيانة ، لأن لي على الدولة حقوقا .
أما أنت فعليك أن تتعلم كيفية تسيير شؤون الملك . إنني في الضرب بالسيف أمهر منك في تناول القلم ، وإنني أفدي الملك بنفسي وقت النزال ولا أعصي أوامره ، أما أنت فتقطع أرزاقنا من الديوان ، ولا تنفذ أوامر الملك . ولست تدري أننا نحن الاثنين خدم له ، أنت في وزارتك ، وأنا في عملي ؛ غير أن الفرق بيننا ، هو أنني أطيع الأوامر وأنفذها ، وأنت تعصاها وتنبذها ظهريا . إن يكن الملك ليس في حاجة إلى أمثالي ، فهو لا يحتاج إلى أمثالك أيضا ، وإن يأمر بإخراج مثلي ، فهو لا شكّ فاعل بأمثالك أيضا .
هامش
( 2 ) الكلمة فارسية ، وكانت شائعة الاستعمال في الكتب القديمة . وهي تقابل رتبة « عقيد » في الجيوش العربية في عصرنا هذا .