تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
خصومه الذين ما إن اقتادوه إلى إسماعيل حتى عهد به إلى الحرس . وهذا النصر من عجائب الدنيا « 10 » . وحين كان أحد فرّاشي عمرو بن الليث السابقين يتجول في المعسكر عصرا وقعت عينه عليه فتألم وتقدم نحوه . فقال له عمرو : « لقد تركت وحيدا ، فابق معي الليلة » ، وقال : « إنني جائع ، فهل لك أن تهيئ لي شيئا آكله إذ لا غنى للإنسان عن الطعام ما دام حيا » . واستطاع الفرّاش أن يحصل على « منّ » من اللحم ، ثم استعار مقلاة حديدية من الجنود ، وأخذ يدور في كل جانب إلى أن جمع كمية قليلة من روث الحيوانات الجاف ، ثم نصب ثلاث أثافي ، ووضع عليها المقلاة ليقلي اللحم ، وتركها ومضى في طلب شيء من الملح ، وكان النهار في أخرياته ، فإذا بكلب يسطو على المقلاة لانتشال ما فيها فلذعت فمه . ولما رفع رأسه علقت حلقة المقلاة بعنقه ، ففرّ بها من شدة الألم . لما رأى عمرو بن الليث هذا المنظر التفت نحو الجند والحراس ، وقال : « لتعتبروا ! فأنا الذي كان يحمل مؤن مطبخي أربعمائة بعير كل صباح صرت إلى حال ينهب فيها كلب ما لديّ في لحظة ليلا » ، وقال : « أصبحت أميرا وأمسيت أسيرا » . وهذه من عجائب الدنيا أيضا .

قصة عمرو بن الليث

أعجب من هذه الحال أيضا ، ما كان من أمر الأمير إسماعيل وعمرو بن الليث الآتي ، فلمّا أسر عمرو التفت إسماعيل نحو العظماء ، وقال : « إن اللّه عزّ وجلّ ، هو الذي وهبني هذا النصر ، وليس لأحد سواه ، عزّ اسمه ، من فضل عليّ في هذه النعمة » ، وقال أيضا : « اعلموا أن عمرو بن الليث كان رجلا عالي الهمة معطاء ، كثير السلاح والعدة ، صاحب رأي وتدبير ، يقظا في كل شيء وكريما عارفا للحق . إنني أرى أن أسعى جاهدا لإنقاذ حياته وفكاكه من الأسر » . فقالوا : « الرأي ما يراه الأمير يقضي بما يراه مناسبا » . فأرسل إسماعيل إلى عمرو بن الليث يقول : « ليهدأ بالك فإنني بصدد الشفاعة لك لدى الخليفة لإنقاذ حياتك ، ولن أبالي في أن أنفق كل ما في خزينتي في هذا السبيل لتقضي بقية عمرك سالما » . لما سمع عمرو بن الليث هذا الكلام قال : « إنني أعلم أن لا خلاص لي من هذا الأسر أبدا ، وأنه لم يبق من العمر إلا أقله ، وأن الخليفة لن يرضى بغير موتي بديلا . لكن أرسل أنت يا إسماعيل شخصا ثقة أفضي إليه بما لدي من كلام ، على أن ينقل إليك ما يسمع مني » . فعاد رسول الأمير إسماعيل
هامش
( 10 ) يرى عباس إقبال أن هذه الرواية بالأسطورة أشبه ، فإما أن جيش إسماعيل كان أكثر عددا من جيش عمرو فتمكن من حصاره فبها ، أما أن أحدا لم يجرح أو يؤسر من جيش إسماعيل فغلوّ وإغراق . ( ص 17 ، هامش 6 ) .