تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
إنما جمع الجيوش ، واتجه بها من خوزستان إلى بغداد ، ولم يكد يقطع من الطريق سوى مراحل ثلاث حتى أصابه مغص أوصله إلى حال أيقن معها أن لا خلاص له فيها من الألم . فعهد بولاية العهد إلى أخيه عمرو بن اللّيث وسلّمه « ثبت الكنوز » ثم أسلم الروح . وعاد عمرو من هناك متجها صوب مناطق العراق الجبلية ، ومكث فيها مدة ثم مضى منها إلى خراسان ، وملكها جميعا باقيا على طاعة الخليفة . كان الجيش والرّعية يحبون عمرا أكثر من يعقوب ، لأنه كان عالي الهمة معطاء ، وسياسيّا يقظا . ولقد بلغت مروءته وسخاوته حدا أن مؤن مطبخه كانت تحتاج إلى أربعمائة بعير لحملها ، وقس على هذا . أما الخليفة فكان يخشى أن ينهج عمرو نهج أخيه ويفعل ما فعل ، ومع أن عمرا لم يكن يدور بخلده شيء من هذا القبيل ، إلا أن الموضوع كان يشغل تفكير الخليفة الدائم ، فكان يرسل إلى إسماعيل بن أحمد ببخارى في استمرار أن : « اخرج واحمل بجيشك على عمرو بن الليث ، وخلّص الملك منه . إنّك أحقّ بإمارة خراسان والعراق اللذين كانا ملك آبائك سنوات عدّة بعد أن استولوا عليهما عنوة ، وإنّك صاحب الحق أولا ، وخصالك حميدة ثانيا ، وأنا أدعو لك ثالثا . ولست أشك ، لهذه الأسباب الثلاثة ، في أن اللّه تعالى سينصرك عليه . لا تنظر إلى قلّة عددك وجيشك ، بل انظر إلى قوله عزّ وجلّ :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
« 8 » . أثّر كلام الخليفة في نفس إسماعيل بن أحمد ، فعقد العزم على الانتفاض على عمرو بن الليث . ثم جمع ما كان لديه من جيوش وعبر به نهر « جيحون » لهذا الغرض ، وأخذ يعد الجند بطرف سوطه فبلغوا عشرة آلاف كانت ركائب أكثرهم خشبية ، حتى إنه لم يكن ثمة ترس واحد مع كل عشرة منهم ، ولا درع واحد مع كل عشرين ، ولا سهم واحد مع كل خمسين . أما من كان منهم بغير مطية فكان يربط درعه بحلقة سرج حصان آخر . ثم مضى بهم من مدينة « آموي » « 9 » إلى بلخ . لما أخبر عمرو بن الليث - الذي كان آنذاك بنيسابور - بعبور إسماعيل بن أحمد جيحون ووصوله إلى بلخ في طلب الملك ، وبفرار شحنة سرخس ومرو ، جهّز سبعين ألف رجل بكامل أسلحتهم وعددهم ومضى بهم إلى بلخ . ولما تقابل الجيشان واشتبكا معا هزم عمرو بن الليث عند مشارف بلخ ، وفرّ جنوده جميعهم دون أن يجرح أحد منهم أو يؤسر . أما عمرو نفسه فوقع في قبضة
هامش
( 8 ) البقرة : الآية 249 . ( 9 ) آمو ( بضم الميم وسكون الواو ) : » هي مدينة آمل الشط » يقولها العجم هكذا على الاختصار والعجمة . ومن أسمائها أيضا « أموية » . كان بينها وبين بخارى سبعة عشر فرسخا ( معجم البلدان ) .